بدأ سحب الحوافز؟
رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي «الفد» في نهاية أيام عمل الأسبوع الماضي معدل الحسم أو الخصم، وهو المعدل الذي يتقاضاه «الفد» من منشآت الودائع (كالبنوك التجارية) التي تقترض منه. ونظر على هذه الخطوة على أنها بداية سحب الحوافز أو الدعم الإسعافي للنظام المالي، الذي قدم بغرض المحافظة على النظام المالي من الانهيار.
وكما يعرف القراء، عولجت الأزمة المالية العالمية بتصنيع تريليونات من الدولارات بأكثر من صورة، وقد نال الاقتصاد الأمريكي من هذه الوصفة التحفيزية نصيب الأسد.. وكما للأدوية آثار جانبية، هذه السياسة لها آثار جانبية، فالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي واقع تحت طائلة إحدى غائلتين أو كلتيهما: التضخم مع بقاء سعر الفائدة صفرا أو قريبا من الصفر، أو الانكماش عند رفع سعر الفائدة قبل الوقت المناسب.
ولكن ما الوقت المناسب؟ هذا محور جدال.
هناك في المواجهة قوى تعمل ضمن تركيبة معقدة، تصعب اختيار الإجابة عن متى وكيف. فمع ظهور علامات التحسن الاقتصادي لاح التضخم في الأفق. ولكن البطالة في صعود.
وفي الطرف الآخر التوقعات، وإدارة التوقعات تحد كبير يواجه البنوك المركزية ويواجه كل باحث ومستشار.
وزير الخزانة البريطانية كان له رأي آخر مخالف بعض المخالفة لرأي برنانكي رئيس «الفد». فالوزير يرى أن الوقت مبكر لأن تتخذ بريطانيا خطوة في اتجاه الخروج (من مخلفات وتبعات سياسات التحفيز)، ويوافقه على ذلك غالبية الاقتصاديين الذين استطلعت آراؤهم.
الذي فعله الفد الجمعة الماضية أنه رفع سعر الخصم من 0.5 في المائة إلى 0.75 في المائة. وهي أول خطوة منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في أيلول (سبتمبر) 2008. ويرى «الفد» أن تحركه إنما كان نتيجة تحسن السوق الائتمانية.
هل التحرك تغيير في السياسة النقدية أم تطبيع لأوضاع اتخذت لمواجهة الركود الاقتصادي والأزمة؟
تأكيدات «الفد» انصبت على أنه لا تغيير في السياسة النقدية، والموضوع اتخذ في نطاق خطوات للعودة إلى الأوضاع الطبيعية. القرار اتخذ بصورة مفاجئة للسوق، إلا أن «الفد» حاول الطمأنة بأن تصرفه ليس توطئة لرفع معدل الفائدة الأهم الذي تقرره لجنة عمليات السوق المفتوح.
وقد أشار «الفد» في مذكرة له قبل نحو شهر إلى أن المؤسسات المشاركة موافقة بصفة عامة على أن خطوات العودة لتوفير سيولة ضمن الوضعية الطبيعية هي عملية تكييف تقنية.
في شهادته أمام الكونجرس قبل نحو أسبوعين عن استراتيجية «الفد» للخروج، أوضح برنانكي أنه لا نية لخطط فورية لتشديد الائتمان، وفي الوقت نفسه أشار إلى أن «الفد» يتهيأ لتخفيف الدعم المميز للنظام المالي. لم يعط تاريخا أو وقتا لتنفيذ ما ينوون عمله.
وحسب خريطة الطريق المقدمة للكونجرس، الزيادة في معدل الفائدة على الاحتياطيين ينبغي أن تسبق بحد بعض البرامج التي يناقشها الفد، بل كانت تحت الاختبار في نطاق محدود لسحب سيولة من النظام المالي.
وكما يعرف القراء، تؤثر أفعال البنوك المركزية كـ «الفد» على توافر وتكلفة النقود والائتمان أو ما يسمى أحيانا السياسة النقدية. وفي أمريكا، يهيمن «الفد» على السياسة النقدية من خلال ثلاث أدوات إحداها معدل الخصم. الأخريتان هما عمليات السوق المفتوح ومتطلبات الاحتياطي.
وينظر إلى معدل الخصم في الأوقات العادية أو الطبيعية أنه أداة مستعملة في نطاق محدود بوضوح، ذلك لأن البنوك تقترض فيما بينها، لموازنة متطلبات الاحتياطي. لكن الظروف خلال العامين الماضيين دفعت «الفد» لممارسة مهمة رئيسية له وهي كونه المقرض أو الملاذ الأخير للبنوك.
كان الدولار المستفيد الأول من تحرك «الفد». إذ ارتفعت قيمته إزاء عملات رئيسية. فقد انخفض اليورو إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار خلال تسعة أشهر. ولم يكن قرار «الفد» وحده السبب، فقد تراجع اليورو في الآونة الأخيرة بحدة مقابل العملة الأمريكية بسبب أزمة الدين العام اليوناني.
كما أسهم رفع سعر الخصم في تحريك السوق. فقد كانت هناك تأثيرات واضحة على أسواق الأسهم الآسيوية. كما تأثرت أسعار النفط بما قرره «الفد»، إذ انخفضت أسعار النفط الخام بنحو دولارين أو ثلاثة خلال نهاية الأسبوع الماضي.
وسجلت أسواق الأسهم الأمريكية أول مكاسب متتالية محسوبة أسبوعيا منذ كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حيث ساعد رفع المعدل في إعطاء دفعة تفاؤل بأن الاقتصاد في تعاف.
إلا أن مؤشر تضخم المستهلك الأساسي انخفض انخفاضا طفيفا بنحو 0.1 في المائة، وهو أول انخفاض شهري منذ نحو 30 عاما. ورأى البعض أن هذا الانخفاض مؤشر على أنه لم يحن بعد وقت تشديد السياسة النقدية، وأن «الفد» ربما استعجل في رفع معدل الحسم.
هل تحرك الخميس والجمعة يعد حسنا أو سيئا للاقتصاد؟
نعرف أن النظر السائد يدعم العودة إلى الأوضاع الطبيعية، وأن هذا هو الأفضل للاقتصاد.