رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إعطاء بدل للعاطلين عن العمل هل هو حل لمشكلة البطالة؟

كما هو معلوم أن مجلس الشورى تناول في إحدى جلساته الماضية مسألة ترتبط بقضية مهمة تعد واحدة من القضايا التي تعد مؤثرة في اقتصاد أي دولة، ألا وهي مسألة البطالة التي تعد واحدة من الأولويات لاقتصاد المملكة بدليل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في خططها التنموية الاقتصادية, حيث إنه تم خلال الفترة الماضية عدد من الإجراءات التي تسهم في مسألة حل مشكلة البطالة من توفير فرص التعليم والتأهيل للشباب من خلال التوسع في إنشاء الجامعات في مختلف مناطق المملكة, إضافة إلى الكليات التقنية والمجتمع والمعاهد المتخصصة وتوفير فرص التأهيل المختلفة.
كما أن المملكة سعت ومن خلال برامج مختلفة إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية وتحسين البيئة الاستثمارية لتحقيق التنمية المستدامة التي تسهم في توفير فرص عمل بشكل مستمر للشباب, خصوصا أنهم يمثلون النسبة الأكبر من السكان المملكة, حيث تحظى المملكة بنسبة عالية من النمو في السكان الذي يتطلب توفير فرص عمل كبيرة مع دخول هذه الأعداد سنويا إلى سوق العمل. ومع هذه الجهود فإنه ليس من السهل توفير الحجم الكبير من فرص العمل في وقت واحد لجميع الخريجين، وخلال هذه المدة التي يقضيها المتخرجون في مؤسسات التعليم المختلفة لا يجد هؤلاء أي مصدر للدخل خلال فترة الانتظار، وقد تختلف مستوياتهم المعيشية, ففي الوقت الذي يكون بعضهم ينتمي إلى أسر تتمتع بمستوى عال من الدخل، فإن البعض الآخر قد يكون ينتمي إلى أسر محدودة الدخل لا تفي بمتطلبات ومصروفات هذا الشاب.
والحقيقة أن مسألة توفير دخل شهري للعاطل عن العمل من المسائل التي تعتمدها أغلبية الدول المتقدمة لكثير ممن يقيم على أراضيها بشكل مشروع، حتى إن كان من غير مواطني تلك الدول, وذلك في الغالب يتم من خلال اقتطاع ذلك من شركات تأمين للذين يكونون عاطلين عن العمل بسبب استغناء شركاتهم عن خدماتهم، وهناك أيضا بدل يعطى للعاطلين بشكل عام من الحكومات, وذلك من خلال ضريبة الدخل التي تفرضها تلك الحكومات على الموظفين على رأس العمل، وتختلف هذه الضريبة من شخص إلى آخر بحسب مستوى الدخل.
ومثل هذه الأنظمة تفرض لعدة أسباب غالبا منها أنها تكون في كثير من الحالات شكلا من أشكال الأمن الوقائي حتى لا يقع هذا العاطل في الأعمال غير المشروعة نتيجة احتياجه إلى المال، فقد يمارس مهنا غير مشروعة مثل السرقة وترويج المخدرات وغيرهما من المهن غير المشروعة التي غالبا ما يكون من السهل استقطاب هذه الفئة إليها نتيجة الحاجة والفراغ. كما أن من أسباب إيجاد هذا النظام أن تلك الدول ترى أن جزءا من مسؤوليتها كنوع من السعي إلى تحقيق حد أدنى من العيشة المناسبة لجميع المقيمين على أراضيها. لكن يبقى أن هذه الدول تختلف في أنظمتها وفي وضعها العام عن الوضع الموجود في المملكة. إذ إن المملكة تشهد نموا كبيرا في عدد السكان ويغلب على التركيبة السكانية الموجودة لديها فئة الشباب، وهذا يختلف تماما عن الوضع السائد في الدول الأوروبية وفي أمريكا الشمالية. كما أنه ـ وكما سبق ـ فإن تلك الدول تفرض نوعا من الضرائب يسمى ضريبة الدخل التي يصرف جزء منها للفئة العاطلة عن العمل، وهذا غير موجود في نظام العمل في المملكة, كما أن مسألة الضرائب من المسائل التي يرى مجموعة من العلماء عدم مشروعيتها على الأفراد إلا في أضيق الحدود.
كما أنه ما زال بعض الخبراء يتوجس من جدوى إعطاء هذا البدل, إذ إن المملكة الآن في حاجة إلى جميع الكوادر القادرة على العطاء والعمل بدليل وجود الملايين من غير المواطنين الذين يعملون في الغالب في مهن غير نادرة وبإمكان الشاب السعودي شغلها. كما أن هذا المبلغ الذي يعطى لن يحل المشكلة, إذ إن المشكلة الحقيقية هي توفير فرص العمل وليس إيجاد دخل للعاطلين عن العمل.
والحقيقة أن الذي ينظر إلى المسألة ينبغي ألا ينظر إليها من الناحية الاقتصادية فقط, فهناك أبعاد إنسانية واجتماعية وأمنية لمثل هذه المسألة, وكما سبق أن بقاء الشاب المؤهل من دون عمل ربما يؤدي إلى انحرافه، وقد يكون هذا الانحراف في بداياته تلبية لحاجته ثم بعد ذلك يتحول إلى مهنة وحرفة يمتهنها هؤلاء ويستمرون عليها خصوصا أنها قد توفر مستوى عاليا من الدخل.
ويبقى أن مسألة تحديد الفئة التي يمكن أن يطلق عليها أنها فئة عاطلة عن العمل وتستحق هذا البدل، والحقيقة أنه يفترض أن تكون هذه الفئة هي فئة فعلا مؤهلة للدخول إلى سوق العمل, لكن لا توجد فرص للعمل، وألا يكون ذلك للفئة التي ليس لديها إلا شهادة التعليم العام كالابتدائية أو المتوسطة أو حتى الثانوية, إذ إن هذه الفئة في الأصل غير مؤهلة بشكل كاف للدخول إلى سوق العمل، وينبغي تحفيز هذه الفئة للدراسة في الجامعات أو المعاهد والكليات للحصول على تأهيل يلبي حاجة سوق العمل.
كما ينبغي أن يتم تحديد السن التي يستحق المؤهل عندها الحصول على هذا البدل مثل سن الـ 18 أو أقل أو أكثر بحسب الوضع المناسب للمجتمع. كما أنه ينبغي أن يكون ذلك بشروط بحيث يتطلب الأمر إثبات أن هذا الشاب فعلا لم يتمكن من الحصول على عمل يتناسب مع مؤهلاته بعد بحث ومتابعة من قبل وزارة العمل. إضافة إلى أن هذا البدل ينبغي ألا يكون مستمرا لمدة طويلة, إذ إن من شأن ذلك أن يساعد على عدم الحرص على البحث والاجتهاد لإيجاد فرص للدخل.
ويبقى أن تحديد المبلغ المناسب كبدل ينبغي أن يتم البحث معه في وضع نظام أيضا للحد الأدنى من الأجور, إذ إنه ليس من المناسب أن يفرض مثلا 1500 ريال كبدل للعاطل، وعندما يحصل على وظيفة يكون الراتب لا يختلف كثيرا عن البدل إن لم يكن مثله أو أقل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي