الإسلام والإعلام .. كيف تحول العرب والمسلمون في نظر الغرب من البذخ إلى العنف؟ (6)
كان الغرب يتصور أنه منصف في نظرته إلى الآخر، ولا سيما الشرق العربي والمسلم. وكان في ذلك ينطلق من كونه صانع وصاحب الحضارة والمدنية الحديثة، وكذلك صاحب الميراث والإرث المسيحي المتمثل بتعاليم عيسى بن مريم، التي تدعو إلى التسامح والمحبة، وتنبذ العنف، والحروب، والاستعمار، والبغضاء، والفوقية، والاستغلال، والعنصرية، والعبودية، والطائفية - الخطايا التي بزّ الغرب الدنيا فيها.
والشرق غالبا ما تأخذه المظاهر والبهرجة والظواهر من الأمور لدرجة أنه قد يغض النظر عن بواطن الأمور، وهكذا انبهر الشرق بالحضارة والمدنية الغربية، حتى يومنا هذا، ورغم الكوارث والمآسي والحروب والمذابح التي سببها الغرب، ينظر الكثير من الشرقيين إلى أنفسهم وتراثهم وثقافتهم وقيمهم نظرة دونية مفضلين عصرنة الغرب عليها. ألم يصبح اليوم الغرب قياسا للتقدم، والحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان في نظر الكثيرين من الشرقيين؟ إن أراد الشرقي معرفة الدرجة التي وصل إليها في سلم الرقي والحضارة، يقارن نفسه بما وصل إليه قرينه في بلد مثل ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا وغيرها من البلدان الغربية.
الغرب يتباهى بما أنجزه، والشرق يتباكى على ما فاته. الشرق يبدي استعدادا كبيرا لقبول الغرب على علاته، الغرب يريد شرقا حسب قياساته. هناك صراع كبير يتمثل في تدخل الغرب في تفاصيل الحياة في الشرق، الجيوش الجرارة فشلت وتقهقرها باد للعيان إن في العراق أو أفغانستان أو فلسطين. الضغط الاقتصادي أصبح فعله غير مؤثر، لا بل قد يتحول في النهاية وبالا على الغرب لما يملكه الشرق من طاقات ومصادر. لم يبق في يد الغرب إلا سلاح الإعلام، وكمختص في هذا الحقل الخطير، يؤلمني أن أرى أن الشرق لا يتقن البتة كيفية استخدامه، بينما الغرب لا يبزه أحد في التلاعب به.
هكذا تحول مؤتمر الإسلام والإعلام في جامعة كولورادو الأمريكية إلى تظاهرة كبيرة، ليس لنصرة الشرق المظلوم، بل إلى منصة للتبرير والدفاع عن الغرب الظالم وممارساته. وما هو الشرق يا ترى؟ الشرق في نظر الغرب لا يضم الهند والصين وفيتنام وتايلاند. الشرق بالنسبة للغرب هو العرب والمسلمون، أو بالأحرى العرب لأن كلمة العربي اليوم تستخدم في الغرب للدلالة على الإسلام. والاستشراق حسب مفهوم الفيلسوف العربي إدورد سعيد يضم بين ثناياه نظرة الغرب للعروبة والإسلام. ويا ليت العرب والمسلمين استوعبوا ما أتى به هذا العلامة الكبير. إنه فتح عيون الغربيين ونورهم، وعلمهم أن نظرتهم للشرق نظرة قاصرة، أحادية الجانب، ذاتية المنهج استقوها من المستشرقين الذين وصموا العرب والمسلمين بالسحر، والمجون، والكسل، وحب الغيبيات، وجمع المال، والبذخ دون تعب.
واليوم انقلبت الآية، النظرية التي أتى بها إدورد سعيد ما زالت قائمة ورصينة، ولكن مادتها تغيرت، أصبح اليوم العرب والمسلمون في نظر الغرب السبب وراء مصائب البشرية جمعاء – وأخذ إعلامه يقدمهم للعالم وكأن الإرهاب والعنف متأصل فيهم. والمصيبة أن كثيرا من العرب والمسلمين ومؤسساتهم أخذت تأخذ بهذا المنحى في خطابها. أي أنهم يكتبون ويقرأون شأنهم شأن الغربيين. وكيف يقرأ الغربيون؟ يقول إدورد سعيد في معرض هجومه على بعض الفلاسفة الغربيين، بينهم فوكو ودريدا، إنهم علّموا الغرب القراءة، وفهم النص على علاته. أما إدورد سعيد فإنه يريدنا أن نقرأ بمسؤولية، وألا ننتهي من قراءة النص إلا ونكون قد اتخذنا قرارا لمقاومة كل ما يخلق توجها واحدا وأحاديا للحياة والعالم. الإعلام الغربي ونصوصه تبدو وكأنها مبرمجة، وهكذا تنهال علينا مثل السيول الجارفة كي تغسل أدمغتنا بأفكارها المسبقة، ولهذا يدعونا إلى القراءة الناقدة والمقاومة، قراءة كهذه لا تقبل الأفكار دون تمحيص وتحليل دقيق، وتقوم بنقد النص لتبيان غرضه الظاهر، والدفين، وتقاوم الجشع الأيديولوجي، والأفكار المزوّقة، والملمّعة.
إدورد سعيد يريدنا كقراء أن نشن هجوما مضادا للحملات الإعلامية المدججة بقيم جشع السوق، وجشع السيطرة، واستلاب ثقافة وتراث وإرث الآخرين. يريدنا أن نفعل ذلك قولا وعملا، وهكذا لم يأبه إدورد سعيد بما سيقوله الإعلام الغربي عنه عندما زار لبنان بعد هزيمة إسرائيل ومغادرة جيشها أراضيه دون قيد أو شرط أمام ضغط المقاومة الإسلامية في عام 2000. وقف هذا العملاق على الجهة اللبنانية من سياج الحدود، ورمى إسرائيل حجرا، وبهذا برهن أنه قارئ، وناقد، ومقاوم قولا وفعلا.
أذكر هذا بعد ما لاحظته من خطاب غير مقاوم في المؤتمر، وأذكر هذا كي أذكّر نفسي كمتشبع بالحضارة العربية والإسلامية، وآخرين من الكتاب العرب والمسلمين إن كنا نملك شجاعة إدورد سعيد، ونسافر إلى لبنان كي نرمي إسرائيل بحجر.
وهكذا أعزائي القراء نأتي إلى ختام رسائلنا عن مؤتمر الإعلام والإسلام وإلى أن نلتقيكم في الجمعة القادمة لكم مني أطيب التحيات.