الإسلام والإعلام.. من ينصف المسلمين؟ (5)
استغرقنا كثيرا في تغطية المؤتمر العالمي عن الإعلام والإسلام، وكنت قد عقدت العزم أن أحضر بمثابة صاحب عمود في جريدة''الاقتصادية''، إضافة إلى كوني أكاديميا. وصاحب عمود دوري في الإعلام تقع عليه مسؤولية أخلاقية كبيرة. إنه يكتب لقراء محددين ويؤثر في توجهاتهم الفكرية. إن كسبهم كقراء عليه الاحتفاظ بهم، وإن أراد الاحتفاظ بهم عليه عدم التكرار وتقديم الشيق والمفيد من الأفكار والآراء ما لا يحظون به إن هاجروا إلى كاتب آخر أو صحيفة أخرى.
والمسؤولية الأخلاقية تقضي أن يمارس الكاتب ما يعظ وينصح قراءه به. فلا يجوز مثلا أن أدعو قرائي إلى إيواء وقبول الآخر، وأنا بعيد عن ذلك نظريا وممارسة. ولا يجوز أن أقف مكتوف اليدين، والكل يحد ّسكاكينه ضد العروبة والإسلام، وأنا أدافع عنهم على صفحات جريدة عربية إسلامية فقط. أخطر شيء وأكبر خطيئة يقترفها كاتب العمود الصحافي هي التملق والنفاق، أي عمل عكس ما يعظ به في كتاباته.
والأمر المهم الآخر يكمن في المكاشفة، فعلى الكاتب ألا يخدع قراءه، وعلى الكاتب الإفصاح عن نفسه كلما سنحت له الفرصة وقدر المستطاع. وعليه ألا يترك علامات استفهام لدى قرائه عن أمور ذات علاقة مباشرة بما يكتبه، وعليه شرح أفكاره ودوافعه ومشاعره، وهناك فرق شاسع بين داعية إسلامي يدافع عن الإسلام وأستاذ جامعي غير مسلم يذود عنه، الأول تلقى الإسلام على السليقة والآخر قرأه وتمعن فيه ورأى أن الدفاع عنه بمثابة الدفاع عن نفسه.
وبعد أربع مقالات عن المؤتمر قد يتساءل القراء ماذا فعلتَ؟ وماذا قلتَ؟ وهل طبقتَ ما تقوله في عمودك الأسبوعي عمليا في أروقة مؤتمر مهم كهذا؟ لم يكن بودي إثارة أسئلة كهذه ونحن في منتصف الطريق، ولكن كي أزيل اللبس لدى بعض القراء أسرد باختصار شديد ما قلته في محاضرتي التي حضرها عدد لا بأس به من العلماء. لم تكن محاضرة عامة. لم أحظ بهذه الميزة التي أعطيت لغيري من الباحثين.
وسأترك الشق الأكاديمي لما قلته جانبا، وسأركز على الجانب الإعلامي عسى ولعل يراه المختصون في الصحافة والإعلام من العرب والمسلمين مفيدا للدفاع عن الإسلام في خضم الهجمة الشرسة التي يتعرض لها اليوم. والطريقة المثلى، من وجهة نظري المتواضعة، هي إجراء مقارنات ومقاربات منطقية وعقلانية، والعقل هو الراجح في نهاية الأمر، والغرب، رغم تركيزنا على ازدواجيته ونفاقه عندما يتعلق الأمر بالعرب والمسلمين، قد يرضخ للعقل في نهاية الأمر. وإن لم يرضخ تحت تأثير السلطة والمال والإعلام، فإنه على أقل تقدير يسمح لحامل الرأي المخالف والمعارض أن يدلي بدلوه. وهكذا بدأت بالحديث على ما ركّز عليه غيري من الباحثين، وعرضت أمامهم هذه الصورة أولا:
#2#
وبدأت بتحليلها. الصورة، الناطقة والمتحركة والثابتة، جزء من الخطاب وقد يكون لها تأثير أبعد وأقوى من تأثير الكلمة. صورة واحدة قد تعبر عما لا تستطيع آلاف الكلمات الوصول إليه. لن أعلق على الصورة أعلاه ولكنها كانت النموذج الذي عرضه كثير من الباحثين وكتبوا مئات ومئات الصفحات عنها. ولكن فات هؤلاء إدراك أن صورا شبيهة بهذه موجودة لدى الآخرين وأن هذه الصورة ما هي إلا رد فعل عما تريد الصور الأخرى إيصاله. ليس واجبنا أن ندين ونجلس كحكام وقضاة. واجبنا أن نحاول جهدنا فهم العالم حولنا مستخدمين العقل ومن ثم إيصال ذلك إلى الآخرين. وهذا لن يتم دون إجراء مقاربات ومقارنات فماذا عن هذه الصورة:
#3#
هل رأيتم بلدوزرا مثل هذا في حياتكم؟ هل تعلمون ماذا يفعل هذا البلدوزر؟ إنه بمثابة ثكنة عسكرية متنقلة يستخدمها الجيش الإسرائيلي في جرف مزارع وبساتين وبيوت وشوارع وأزقة لا بل أطفال ونساء الفلسطينيين في أرض عربية محتلة. هل شاهدتم هكذا مكائن ومعدات''شيطانية'' في حياتكم؟ السؤال هو ما العلاقة أو الفرق أو المقاربة بين الصورتين؟ لماذا جرى''شيطنة'' الأولى وليس الثانية في الخطاب والإعلام؟ ولننتقل إلى الصورة الثالثة:
#4#
هذه لقطة لدبابة أمريكية قبل الهجوم الكاسح الذي شنه الغزاة الأمريكيون على مدينة الفلوجة العراقية في عام 2004. ألا تستفز هذه الصورة مشاعر المسلمين أينما كانوا؟ ألا تذكّرهم بالحروب الصليبية؟ إنها صورة لا تختلف البتة في''شيطنتها'' عن السلبيات التي جرى التركيز عليها في المؤتمر والتي تم ربطها بالعرب والمسلمين وكأن الآخرين براء منها. باستطاعتنا كتابة مئات ومئات الصفحات عن الصورتين الثانية والثالثة ولكننا حتى الآن لم نكتب شيئا. كل ما كتبه الغرب وجرى خلفه الشرق هو''شيطنة'' الصورة الأولى. أما الثانية والثالثة فلهم من يمنحهم من الأعذار إن في الغرب أو الشرق. وآخر''ابتكار'' جرى الكشف عنه وأنا في جامعة كولورادو كان مسألة الآيات من الإنجيل أو التوراة المحفورة على البنادق الأمريكية المزودة بمناظير. وهذه البنادق لم يحارب بها الغربيون على أرض المسلمين فقط بل بيعت إلى الجيوش المسلمة في العراق وأفغانستان وربما أماكن أخرى لمساعدة المسلمين على حربهم مع بعضهم.
نلتقي وإياكم في رسالة الجمعة المقبلة.