بن برنانكي يجيب عن أكثر الأسئلة طرحا في أمريكا (4 من 4)
في هذه الحلقة نتناول كيف أجاب بن برنانكي عن السؤال المهم حول كيفية تجنب حدوث أزمة مماثلة في المستقبل؟ يقول برنانكي، كما نقوم نحن في الاحتياطي الفيدرالي وغيرنا بالبناء على التقدم الذي تم إحرازه نحو تأمين إحداث انتعاش اقتصادي مستدام مع استقرار الأسعار، يجب علينا أيضا أن نواصل معالجة نقاط الضعف التي أدت إلى الأزمة الراهنة، وبالتالي، فإن السؤال الأخير هو: كيف يمكننا تجنب حدوث أزمة مماثلة في المستقبل؟
على الرغم من أن مصادر هذه الأزمة كانت معقدة للغاية ومتعددة، فإن أحد الأسباب الجوهرية هو أن عديدا من الشركات المالية، ببساطة، لا تقدر حجم المخاطر التي تتحملها. حيث كانت نظم إدارة المخاطر غير كافية ورؤوس الأموال والسيولة غير مناسبة.، وللأسف الشديد لا الشركات ولا المنظمون قاموا بتحديد وعلاج الكثير من نقاط الضعف بالسرعة الكافية، وبالتالي يجب على جميع المنظمين الماليين، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي، إجراء تقييم ذاتي قاس. فقد قام الاحتياطي الفيدرالي باستعراض مكثف لأدائه ثم انتقل إلى تعزيز قدراته في الرقابة على المصارف، كما قام بالتعاون مع الوكالات الأخرى، وهو يقوم حاليا بتشديد الأنظمة المصرفية للمساعدة على كبح الإفراط في تحمل المخاطر، وتعزيز قدرة البنوك على تحمل الضغط المالي. على سبيل المثال، كان الاحتياطي الفيدرالي من بين قادة الجهود الدولية في السعي، من خلال منظمات مثل لجنة بازل للرقابة على البنوك، لزيادة كميات رأس المال والسيولة التي يتعين على البنوك الاحتفاظ بها، وفي الداخل يعمل الاحتياطي الفيدرالي على تطبيق المعايير التي تتطلب من المؤسسات المصرفية اعتماد سياسات أجور تربط بين الأجر وأداء المؤسسات على الأجل الطويل وتجنب تشجيع الإفراط في تحمل المخاطرة.
لقد تمت الإشارة إلى برنامج الإشراف على تقييم رؤوس الأموال، والمعروف باسم اختبارات الضغط، ويقوم الاحتياطي الفيدرالي بتطبيق الدروس المستفادة من تلك العملية لإعادة توجيه نهجه في الإشراف على المؤسسات المصرفية الكبيرة والمتشابكة والتي تعد حاسمة بالنسبة لاستقرار النظام المالي. وهو يتبنى منهجا أكثر تدبرا على المستوى الكلي، على وجه الخصوص، أي نهج يتجاوز التركيز التقليدي للمشرفين على صحة المؤسسات الفردية ويمحص العلاقات المتبادلة بين الشركات والأسواق ليتوقع بشكل أفضل مصادر العدوى المالية. ولكي يتحقق ذلك فإنه يقوم بتوسيع برامج استخدام فحوصات آنية ومقارنة عبر الشركات والتي اعتاد أن تؤدي إلى الأثر الجيد الذي تحقق في برنامج اختبارات الضغط. إن قدرة الاحتياطي الفيدرالي على رسم النظم المناسبة باستخدام الاقتصاديين وخبراء السوق، والمحاسبين، والمحامين، إضافة إلى مراقبي البنوك، كان أمرا أساسيا لنجاح برنامج اختبارات الضغط، وسيكون اتباع المنهج متعدد التخصصات سمة أساسية من سمات إشراف الاحتياطي الفيدرالي في المستقبل. على سبيل المثال، يقوم الاحتياطي الفيدرالي باستكمال فحوصاته التقليدية في الموقع ببرامج مكثفة للمراقبة خارج الموقع، والتي في ظلها تقوم فرق متعددة التخصصات بمزج المعلومات الإشرافية، وتحليل البيانات الخاصة بشركات محددة، إضافة إلى المؤشرات القائمة على آليات السوق لتحديد المشكلات التي قد تؤثر في واحد أو أكثر من المؤسسات المصرفية.
وعلى الرغم من أن المنظمين يمكنهم أن يفعلوا الكثير لتحسين الرقابة المالية، فإن الكونجرس يجب أيضا أن يعمل على إصلاح الفجوات ونقاط الضعف في الهيكل التنظيمي، وللقيام بذلك، لا بد من التعامل مع هذه المشكلة الخطيرة جدا التي تتمثل في الشركات التي ينظر إليها على أنها أكبر من أن تسقط. فلا ينبغي لأي شركة بحكم حجمها أو تعقيدها أن تبقي النظام المالي والاقتصاد، أو دافع الضرائب الأمريكي رهينة. وللقضاء على هذا الاحتمال، فإن الاحتياطي الفيدرالي يحتاج إلى عدد من الخطوات المهمة التي حددها برنانكي في الآتي:
أولا، ينبغي أن تخضع كل المؤسسات المالية المهمة، وليس البنوك فقط، لرقابة قوية وشاملة وعلى أساس موحد، أو على مستوى الشركة ككل. وهذه المؤسسات يجب أن تخضع لأشد متطلبات رأس المال والسيولة وإدارة المخاطر ومتطلبات الإدارة من الشركات الأخرى على السواء للحد من فرص الفشل، وإزالة حوافز النمو التي تهدف إلى أن ينظر إليها على أنها أكبر من أن تسقط. فلم تخضع المجموعة الأمريكية الدولية، شركة تأمين، ولا بير ستيرنز، وهي شركة استثمار، لإشراف موحد وقوي، والاحتياطي الفيدرالي، وهو الجهة المنظمة للشركات المصرفية القابضة، يقوم فعليا بالإشراف على عديد من المؤسسات الأكبر والأكثر تعقيدا في العالم. تلك التجربة، جنبا إلى جنب مع المعرفة الواسعة بالأسواق المالية، تجعل من الاحتياطي الفيدرالي الأنسب تماما ليلعب دور المشرف الموحد لمؤسسات مهمة في النظم غير المصرفية أيضا. إضافة إلى ذلك، فإن مشاركة الاحتياطي الفيدرالي في الإشراف هو أمر حاسم لضمان أن يكون لديه الخبرة اللازمة والمعلومات والسلطات لتنفيذ مستهدفاته الأساسية لتعزيز الاستقرار المالي وتصميم السياسة النقدية.
ثانيا، عندما تقترب مؤسسة مهمة من السقوط، يجب أن يكون لدى صانعي السياسات الحكومية فكرة مختلفة عن خيار الإنقاذ أو الإفلاس غير المنظم الذي يمكن أن يؤدي إلى تحطيم الثقة (مثلما حدث في حالة بنك ليمان براذرز). وينبغي على الكونجرس أن ينشئ نظاما جديدا لحل الشركات مشابه للنظام المستخدم حاليا بواسطة اللجنة الفيدرالية للتأمين على الودائع للبنوك التي تفلس، والذي من شأنه أن يسمح للحكومة بإغلاق شركة مضطربة ذات أهمية في النظام وبطريقة تحمي الاستقرار المالي، وبما يفرض أيضا على حملة أسهم ودائني الشركة التي فشلت تحمل الخسائر دون أن يفرض ذلك أي تكاليف على دافعي الضرائب. إن فرض الخسائر على دائني الشركات المضطربة، من شأنه أن يساعد على حل مشكلة الشركات الأكبر من أن تسقط عن طريق إعادة انضباط السوق وتسوية أرض الملعب لشركات أصغر، مع التقليل من الآثار المدمرة للفشل على النظام المالي والاقتصاد.
ثالثا، إن الهيكل التنظيمي للاحتياطي الفيدرالي يتطلب إيجاد آلية أفضل لرصد ومعالجة المخاطر الناشئة على النظام المالي ككل، وبسبب حجم وتنوع وتعقيد النظام المالي الأمريكي، فإن المهمة قد تتجاوز قدرة أي جهاز على حده. ولذلك يؤيد الاحتياطي الفيدرالي إنشاء مجلس للرقابة النظامية، الذي يتألف من المنظمين الماليين الرئيسيين لتحديد التطورات التي قد تفرض مخاطر نظامية، ويوصي باتباع مناهج للتعامل معها وتنسيق ردود المؤسسات الأعضاء.
الخلاصة:
يلخص بن برنانكي إجابته بقوله، في خريف العام الماضي واجهت الولايات المتحدة ، بل والعالم أجمع، أزمة مالية ذات حجم لم تشهده لعدة أجيال، وقد ساعدت الإجراءات المتضافرة من جانب الاحتياطي الفيدرالي وغيرها من صناع القرار في الولايات المتحدة وفي الخارج على تجنب أسوأ النتائج، ومع ذلك ، فإن هذا الاضطراب وجه ضربة قاسية لاقتصاد الولايات المتحدة والذي بدأ في الآونة الأخيرة فقط في التعافي منها، ويقدم التحسن في الأوضاع المالية هذه السنة، واستئناف النمو من خلال الصيف هذا العام الأمل في توقع استمرار الانتعاش في العام الجديد. لكن رياحا معاكسة كبيرة ما زالت قائمة، بما في ذلك تشديد أوضاع الائتمان وضعف سوق العمل.
وقد كان الاحتياطي الفيدرالي صارما في جهوده لتحقيق الاستقرار في النظام المالي الأمريكي ودعم النشاط الاقتصادي، ومع ذلك فعند نقطة ما سيحتاج إلى إرخاء سياسات التكيف التي يتبعها حاليا لتجنب ارتفاع معدل التضخم في المستقبل. ويرى برنانكي أنه واثق أن لدي الاحتياطي الفيدرالي من الأدوات والالتزام بإجراء هذا التعديل عند الحاجة إليه، وبطريقة تتفق مع مستهدفاته في تعزيز فرص التوظف واستقرار الأسعار.
وفي غضون ذلك، يجب أن يتحسن أداء الشركات المالية في إدارة مخاطر أعمالها، كما أن المنظمين، بما فيهم الاحتياطي الفيدرالي، يجب أن يستكملوا جهودهم الحالية الشاملة لإصلاح نظم الإشراف والرقابة، ويجب على الكونجرس أن يمضي قدما في تحقيق التغييرات المطلوبة في نظم الرقابة المالية الخاصة به لتفادي حدوث أزمة مماثلة في المستقبل. على وجه الخصوص ، يجب إيجاد حل لمشكلة الشركات الأكبر من أن تسقط.
باختصار، لقد قطع الاقتصاد الأمريكي شوطا طويلا من بدء أحلك فترات الأزمة، ولكن ما زال أمامه بعض المسافة لكي يقطعها، وفي خضم أصعب أيام تشرين الأول (أكتوبر) 2008 ، قال برنانكي في خطاب له إنني واثق بأن الاقتصاد الأمريكي ، بما له من حيوية كبيرة وجوهرية ، سيخرج من هذه الفترة بفعالية جديدة وما زلت على الثقة نفسها اليوم.