هل تبرعت بالباقي؟: تبرع أو لا تتبرع فلن تحصل عليه
بشكل هادئ انتشرت هذه الأيام ظاهرة التبرع بالباقي وهي الحملة التي بدأتها شركات تجزئة كبيرة في المملكة. نعم هي دعوة للخير نشطة وستكون مؤثرة في مجتمع تعوّد على البذل والعطاء، أسأل الله أن يتقبل منا أحسن ما عملنا ويتجاوز عن السيئات. لكن الحقيقة أنه وكلما طُلب مني التبرع بالباقي أقف بصمت لا أخفي فيه استغرابي عندما يسألني الموظف: هل تتبرع بباقي الهلل (طبعا هو يقصد العملة المعدنية، تلك العملة التي نسمع بها ولا نراها)؟ وفي كل مرة أسمع ذلك السؤال كنت أرد وبقليل من السذاجة، ماذا تقصد؟ يكرر الموظف السؤال بتفصيل أكثر ويتبرع أحدهم وقد مل من انتظاري بالشرح المستفيض. لا مجال للتفكير لأنه يجب عليّ أن أجيب بنعم. المثير في الموضوع هي تلك الأسئلة التي تدور في ذهني كلما خرجت من السوق، هل أنا تبرعت فعلا؟ أم أُجبرت على ذلك؟ هل تبرعت بما أملك فعلا؟ أو بما كنت أعتقد أنني أملكه؟ من منا يحصل على تلك الهلل أو يستطيع الحصول عليها فيما لو رفض العرض بالتبرع بها وأصر ـ بسذاجة – على الحصول عليها. ولو كانت هناك جهات أخرى تحتاج إلى تبرعات ولها صندوق خيري ملقى خارج السوق كيف كنت سأحصل على الهلل لأتبرع بها هناك ووفقا لاختياراتي وليس فرضا عليّ. قد يقول قائل إن هناك من يتبرع بالآلاف، ولم يقل شيئا فلماذا أناقش قضية هلل؟ المثير في هذه القضية (بالنسبة لي على الأقل) أنني كنت أعتقد أن شركات التجزئة الكبيرة هذه لا تعرف ما هي العملة المعدنية، بل كنت أشك أن هناك فتوى لها بعدم جواز استخدام تلك الهلل.
فقبل هذه الحملة من التبرعات أو حتى في تلك الأسواق التي لم تشارك فيها سواء صغيرة كانت أم كبيرة، وفي الصيدليات كذلك لا يوجد تعامل بالعملة المعدنية، وعليك عزيزي القارئ أن تخوض تجربة كيف يمكن أن تُسرق جهارا نهارا، ولا تستطيع أن توقف السارق المُتبختر بين يديك أو ترفع شكوى ضده. فعندما يتبقى لك نصف ريال مثلا – وهو (لمن لا يعرف ذلك من قبل) عملة معدنية – فإن البائع يضعك أمام خيارات صعبة، فإما أن تغير الصنف الذي اشتريته، وتبحث عن صنف آخر لا توجد في سعره كسور، وإما أن تتخلى طواعية عن الباقي وفقا لمعادلة لا أعرف من هو عبقري الرياضيات الذي ابتكرها. فإذا كان السعر يتضمن كسورا أقل من نصف الريال فستخصم من السعر، حيث تدفع الصافي بالريالات دون كسر (مثل 12.23 فإنك تدفع 12 ريالا فقط)، وأما إذا كان السعر يتضمن كسرا أكبر من النصف فعليك دفع السعر عند الحد الأعلى (مثلا 12.56 فإن عليك دفع 13 ريالا) يا لعبقرية التقريب!. والمدهش الغريب في الأمر أن كسور الأسعار غالبا ما تكون ضد المشتري وعليك دائما أن تدفع الحد الأعلى ولا تناقش ولا تجادل فتلك هي سياسة البيع. لا تفكر في الغضب والذهاب إلى محل آخر، فهذه السياسة أخذت قوة العُرف ومُصدق عليها بالتواتر.
في أحيان نادرة يكون المتبقي لك هو نصف ريال تماما أو أنه جزء من الباقي مثلا 1.50 ريال فإن فرحتك برؤية ذلك المدعو (نصف ريال) ستتلاشى مع علبة من مناديل الجيب الصغيرة أو علبة من اللبان بدلا عنه. المزعج أن هناك اعتقادا يصل حتى التفضل عليك بالمنة في أنك حصلت على حقك وفوقه (كما يقال بوسة). الحقيقة أنك أُجبرت على شراء سلعة لا ترغب فيها وأقول وأكرر أجبرت. فأنت لم تكن ترغب في السلعة بل تريد باقي حقك، ثم وبدلا من إعطائك ذلك الحق تم بيعك (وأكررها تم بيعك) سلعة أخرى وبسعر البيع الذي يتضمن الربح، لقد حصل البائع على الربح منك بقوة العُرف الذي يجب عليك الخضوع له إن شئت أو لن تجد من بيعك ما تريد. وبودي وقد أجبرونا على شراء تلك المناديل أو مجموعات اللبان أنهم عدلوا سعرها بسعر التكلفة حتى يتحقق جزء بسيط من العدالة.
ما يدفع على الشعور بالألم هو موجة الخداع برفع الأسعار بكسر الريال (نصف ريال أو ربع ريال مثلا ) مما يسهل على المحال التجارية سرقة الناس باسم ارتفاع الأسعار, ومثل ذلك حدث وبكل جرأة عندما أعلنت شركة المشروبات الغازية سعر العلبة بـ 1.50 ريال، بينما عليك دفع ريالين عندما تشتري تلك العلبة من الجهاز، ماكينة البيع، فلا توجد عملة معدنية فيها أو حتى خيار بذلك، فحتى ماكينة البيع غير مجهزة لذلك. وبدلا من أن تتحمل الشركة المسؤولية وتجبرها الوزارة على دفع الفرق فإن على المجتمع أن يتحمل أخطاء الشركة وقرار مؤسسة النقد وأعراف التجار الظالمة ويدفع لهم مكافأة ذلك بنصف ريال إضافي. ومع حملة التبرع وأقولها بكل صراحة تبرع أو لا تتبرع فلن تحصل على الباقي، وإذا أصررت عليه فسوف يعدل السعر إلى الحد الأعلى أو سيتم منحك مناديل جيب. وقد يمضي عمرك ولن يسعفك الحظ لتتعرف على تلك العملة التي تسمى ربع ريال (25 هللة) أو القرش (5 هللات)، أما الهللة نفسها فهي اسم غير موجود على الحقيقة رغم أن البعض يضع الأسعار وفقا لها خداعا وتزويرا ليقول إن السعر هو 1.99 ريال، أي أنه قد بقي لك هللة واحدة، لكن لا تكن ساذجا مثلي وتقف بانتظار أن ترى الهللة.
مؤسسة النقد تحتج بقاعدة التكلفة والمنفعة، وأنها تطبع من تلك العملة بقدر المستخدم فعلا، لكن القاعدة الاقتصادية تؤكد أن العرض سيخلق طلبا خاصة مع موجة ارتفاع الأسعار الآن. فكيف سنقنع المجتمع بجدوى التعامل مع عملة غير موجودة على الحقيقة، وكيف تتطور لدينا مهارة التعامل معها ونحن لا نراها. في جميع دول العالم (تقريبا) سيعاد لك حقك حتى ذلك المتناهي في الصغر، وإذا كنت في لندن مثلا فيجب عليك التحلي بالصبر إذا وقفت في الصف وأمامك رجل أو امرأة في الـ 70 من العمر يعد العملة المعدنية ليدفع ما عليه فعلا لا أقل ولا أكثر حتى آخر بنس. أخيرا يجب ألا يفهم مقالي بأنني ضد التبرع، لكن يجب أن نعلم أن حقيقة العدل لا تتجزأ في الاقتصاد.