سوق العمل والابتعاث
المقولة التي يرددها رجال الأعمال ''مواءمة مخرجات التعليم لسوق العمل'' لم تعد مقبولة في ظل إيفاد أفواج من الطلاب لمشارق الأرض ومغاربها يتلقون تعليمهم في أرقى الجامعات العالمية وبتخصصات منتقاة بعناية ترتكز على العلوم التطبيقية والمجالات المهنية. مشروع الابتعاث يعري الحجة الواهية لرجال الأعمال ويدحضها، في أن مخرجات التعليم الجامعي دون مستوى سوق العمل ولا تلبي احتياجاته بقصد التفلت والانسلاخ من مسؤولياتهم الوطنية في توطين الوظائف! وحقيقة الأمر أن سوق العمل هو الذي يجب تطويره والارتقاء به ليستوعب مخرجات الجامعات وليس العكس! فالقطاعات الصناعية والتجارية والخدمية مازالت دون المستوى تقتات على الإنفاق الحكومي السخي وتستمتع بالرعاية الكاملة من الإنشاء والتأسيس إلى ضمان شراء المنتج! إنه ضمان اجتماعي ولكن لرجال الأعمال! فيما عدا بعض الصناعات التي لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة، فالصناعة الوطنية هشة تعتمد على مصانع متشرذمة صغيرة تنتج سلعا استهلاكية لا تتطلب مهارات عالية، وتعتمد اعتمادا كليا على الاستيراد في كل مراحل عملية الإنتاج من التقنية والآلات إلى المواد الأولية إلى العمالة. ومع هذا يطلق على هذه الصناعات ودون استحياء صناعات وطنية! مازال القطاع الخاص غير ناضج دافعة الاستمتاع بالاستثمار المضمون والربح السريع وجواز للثراء بأقصر الطرق. هذا لا يعني أن البحث عن الربح أمر غير محمود أو غير مطلوب كيف لا وهو المحرك الأساس للاقتصاد والباعث للإبداع والابتكار، وإنما القصد هو إيجاد صناعات ضخمة تحويلية تكون فيها المصانع روافد تسهم في إنتاج سلع ذات قيمة عالية اقتصاديا واجتماعيا (القيمة لا تعني السعر) وبذات الوقت توفر وظائف ذات دخول عالية. هذا من شأنه تكبير الكعكة الاقتصادية وتطوير الاقتصاد الوطني ولا أقول نموه، ما يقود بالنتيجة إلى توفير وظائف ذات دخول عالية. فمسألة توطين الوظائف لا تعني بأي حال من الأحوال الزيادة العددية للوظائف وحسب وإنما وظائف نوعية ذات تقنية عالية تمنح المواطن دخلا كافيا يضمن مستوى معيشيا يتناسب مع قوة الاقتصاد الوطني. التحول إلى الصناعات التحويلية كما في تجربتنا الوطنية الرائدة ''سابك'' أو حتى على مستوى أقل في صناعة الألبان تمثل آلية كفؤة لإعادة توزيع الدخل، إذ إنها تؤسس لشبكة كبيرة من العلاقات الصناعية والاقتصادية وعلى مستويات متفاوتة من الاستثمار، حيث تتاح الفرصة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في أن تتداخل وتسهم في عملية الإنتاج وهكذا تعم الفائدة والمنفعة، ويتم تحريك الاقتصاد بشكل جماعي ومترابط بدلا من أن يتفرد كل رجل أعمال بمصنع صغير للإنتاج الاستهلاكي وليس الرأسمالي يتم فيه توظيف عمالة أجنبية غير ماهرة رخيصة جدا لا يستطيع المواطن منافستها أمام التزاماته المعيشية العالية ومسؤولياته الاجتماعية الكبيرة، فضلا عن أنه يعيش في اقتصاد ريعي قوي يتطلع فيه الجميع لمستويات عالية من الدخل والرفاهية. فعلى سبيل المثال في صناعة الألبان يتداخل عدة قطاعات مثل إنتاج الأعلاف والخدمات البيطرية وتربية الماشية والتعبئة والتسويق والدعاية والإعلان ولربما أثرت صناعة الألبان بقطاعات أخرى غير مباشرة. الفائدة المرجوة من التأسيس لصناعات حاضنة لمصانع وليس مصانع متشرذمة صغيرة تتمثل في إتاحة الفرصة للإنتاج الاقتصادي الوفير والتخصصية، والتي بدورها تقود إلى اقتصاد وطني أكثر قوة من الناحية التنافسية الخارجية بتوفير سلع ذات جودة عالية بفضل التخصصية، وفي الوقت نفسه أكثر قدرة على الاستفادة من الموارد البشرية الوطنية المدربة كعامل إيجابي وميزة تفضيلية وليس عبئا ومشكلة نرغب التخلص منها بأي طريقة كانت حتى ولو حشرهم في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم الجامعية!
يقال إن رأس المال جبان وبالتالي هناك مبررات للحذر يطرحها رجال الأعمال تمنعهم من الدخول في استثمارات كبيرة طويلة الأجل، ولذا كان من الأجدر تقنين الدعم الحكومي للقطاع الخاص ليكون آلية لتوجيهه نحو الصناعات التحويلية الرأسمالية وليس الاستهلاكية البسيطة. هناك ضرورة ملحة لرسم خريطة طريق للصناعة والاقتصاد السعودي تضعه على المسار الصحيح بما ينسجم مع قوة الدخل الوطني. قد يكون الأمر أكثر وضوحا لو طرحنا على أنفسنا كمجتمع عدة تساؤلات وحاولنا الإجابة عنها: ماذا أعددنا لمرحلة ما بعد النفط؟ هل باستطاعة المصانع الحالية المنافسة عالميا من حيث الكم والنوع والجودة والتكلفة؟ هل سيكون بمقدور المصانع الاستمرار في الإنتاج دون الدعم الحكومي بجميع صوره المالية والقانونية؟ هل نتوقع أن يبقى رجال الأعمال على استثماراتهم في الوطن أم سيشدون الرحال عند أول أزمة؟ الإجابة عن هذه التساؤلات الصعبة والمحرجة والحرجة تساعدنا في تفهم الوضع الراهن لحال الصناعة الوطنية وما يجب عمله لانتشالها وتطويرها لتصل إلى مستويات أعلى من النضج يتم فيها الاستفادة من جميع مكونات الاقتصاد الوطني وعلى رأسها العنصر البشري المؤهل. هذا التحول الصناعي والاقتصادي يتطلب وقتا طويلا ولا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها، وبالتالي يجب العمل من الآن على تهيئته ليكون أكثر قدرة على استيعاب خريجي الجامعات الوطنية والمبتعثين للخارج واستثمارهم في دفع الاقتصاد الوطني إلى مرحلة متقدمة تمكنه من المنافسة واحتلال مركز متقدم عالميا.
إذا الشعار الذي يجب أن نرفعه هو مواءمة سوق العمل لمخرجات التعليم وليس العكس! فالخريجون لديهم المعرفة والمهارة، والمهم القدرة على التفكير النقدي والإبداع والبحث وهم مهيأون لاستيعاب المستجدات وتعلم الجديد. ما يحتاجون إليه هو فقط توفير الوظيفة التي تمنحهم الفرصة لمزاولة ما تعلموه وتهيئة مكان العمل للإنتاجية، حيث يستوفي جميع متطلباتهم المهنية بدءا بالرواتب المجزية التي تتناسب مع كفاءاتهم العلمية وقدراتهم المهنية. لا يمكن بأي حال من الأحول الاستكانة والشعور بالرضا وأخذ الأمور بظاهرها كالإحصاءات البراقة والتصريحات الرنانة التي تركز على الكم دون الكيف والنوع. لقد أصبح من الضروري الغوص في أعماق مشكلة الصناعة الوطنية وإعادة هيكلتها وانتشالها من بعض المرتزقة وتناولها بجدية ليس كقضية اقتصادية وحسب، وإنما كقضية تمس الأمن والاستقرار الوطني. يلزم العمل على تقنين الإنفاق الحكومي وربطه بالصناعات التحويلية الرأسمالية والتوقف عن دعم الصناعات الاستهلاكية الرخيصة التي لا تسمن ولا تغني من جوع وغير مولدة لدخول عالية. بهذا فقط نستطيع تكبير الاقتصاد الوطني وتقويته ليستوعب الخريجين والمبتعثين.