رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إذا سقط المسجد الأقصى.. إلى أين العرب ذاهبون؟

هَبْ أن العرب استيقظوا من نومهم صباح الغد ووجدوا - لا سمح الله - المسجد الأقصى الذي وضع أساسه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قد هوى عن آخره وأصبح دماراً وركاماً وأطلالاً!
هذا الكلام لا نقوله افتراضا فقط، فقد أطلق أخيرا الدكتور تيسير التميمي قاضي القضاة في فلسطين صرخة مدوية يطالب العرب والمسلمين بالتحرك فوراً لنجدة المسجد الأقصى قبل فوات الأوان، وقال إن الأنفاق التي حفرها الصهاينة قد بلغت أعمدة المسجد الأقصى، وإن الصهاينة يجرون المزيد من الحفريات حولها، وإن سقوط المسجد الأقصى بات وشيكاً إذا لم يتحرك المسلمون فوراً!
لقد جرت في الواقع محاولات إسرائيلية مستمرة ومتواصلة منذ قرار التقسيم الذي أصدره مجلس الأمن في عام 1947، وكذلك بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية في عام 1948 واحتلال إسرائيل للقدس الغربية في عام 1967، ونفذت إسرائيل سلسلة من الخروقات للقانون الدولي والإنساني ضد القدس الشريف، ثم صدر قرار الكنيست الإسرائيلي باعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ومنذ ذلك التاريخ والصهاينة لا ينفكون يحاولون هدم المسجد الأقصى وإقامة هيكل سليمان المزعوم مكانه لينتهي بعد ذلك الفصل الأخير من تاريخ المسجد الأقصى وتاريخ المسلمين في القدس.
وإذا حدث هذا - لا سمح الله -ـ فإن ثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى المبارك الذي بارك الله حوله يخرج من حوزة المسلمين إلى الاحتلال الصهيوني البغيض، وطبعاً بخروج المسجد الأقصى من أيدي المسلمين يفقد العرب واحداً من أطهر وأهم بيوت الله على وجه الأرض.
أعود مرة أخرى وأضع هذا الافتراض المؤلم والبشع أمام العرب والمسلمين، أضعه أمام أكثر من مليار و600 مليون مسلم مقابل ستة ملايين صهيوني، أقول ماذا لو استيقظ المسلمون غداً ووجدوا المسجد الأقصى -لا قدر الله - ركاما وأطلالاً، فماذا هم فاعلون؟!
هل يستسلم العرب ويكتفون - كالعادة - بإصدار بيانات الشجب والتنديد والاستنكار، أم يتسابقون إلى مجلس الأمن ويناشدونه التحرك لتنفيذ قراراته التي منها عدم المساس بالمسجد الأقصى وعدم إجراء أي تغيير في معالم القدس، والسؤال الأخير والمهم هل تستجمع منظمة المؤتمر الإسلامي شجاعتها وتعلن واجب الجهاد المقدس على جميع المسلمين في كل أنحاء العالم لإخراج الصهاينة بالقوة من القدس الشريف؟ وهل لدى العرب القوة العسكرية القادرة على استعادة القدس بالقوة؟
إن إسرائيل دأبت منذ احتلالها مدينة القدس على القيام بسلسلة انتهاكات صادمة ضد المقدسات الإسلامية في فلسطين وبالذات ضد المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وضربت بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن واليونسكو عرض الحائط، بل ارتكبت في عام 1969جريمة إحراق المسجد الأقصى، ونفذت إسرائيل حفريات واسعة وأنفاقاً عديدة تحت المسجد الأقصى وقبة الصخرة بهدف العثور على الهيكل المزعوم، ثم جار المتطرفون الصهاينة على المقدسات الإسلامية وهدموا الكثير من المساجد والآثار الإسلامية في كل أنحاء القدس وما حولها.
وإذا كانت الأراضي الفلسطينية المحتلة قد عانت تعنت وتسلط الاحتلال الصهيوني، فإن مدينة القدس عانت الأمرين من هذا الاحتلال البغيض، لقد كان قرار الضم واعتبار القدس عاصمة موحدة نقطة البداية لعملية تهويد شاملة وواسعة النطاق للمدينة الإسلامية المقدسة، ولقد سبقته محاولات إسرائيلية نحو تغيير المعالم الجغرافية للمدينة المقدسة من خلال سياسات استيطانية منظمة، كما نفذ الاحتلال الإسرائيلي سياسة مصادرة الأراضي المملوكة للفلسطينيين من أجل توسيع المستوطنات حول القدس في شكل تجمعات استيطانية مكثفة تلتف حول خاصرة المدينة المقدسة لخنقها بمن فيها من السكان العرب، وبالتالي تضييق الخناق على الوجود العربي في المدينة المقدسة حتى يضطر العرب المسلمون إلى مبارحتها ويتحقق ـ بالتالي ـ التعديل الديموغرافى في القدس من أغلبية فلسطينية إلى أغلبية إسرائيلية.
إن القانون الدولي حاول - طوال الاحتلال الصهيوني - أن يعطي لمدينة القدس حصانة قانونية وتاريخية، فقد صدر عن مجلس الأمن قراره رقم 252 في 21 أيار (مايو) 1968 الذي طالب إسرائيل بإلغاء جميع إجراءاتها التي استهدفت تغيير معالم القدس ورفض مجلس الأمن احتلال الأراضي عن طريق الغزو المسلح، واعتبر القرار كل التغييرات الإدارية والتعسفية التي أجرتها إسرائيل في القدس باطلة بما في ذلك نزع ملكية الأراضي والممتلكات، وطالب القرار إسرائيل إلغاء كل الإجراءات التي قامت بها في القدس والامتناع فوراً عن اتخاذ أي عمل يرمي إلى تغيير معالم القدس، كما صدر أيضاً عن مجلس الأمن القرار رقم 267 في 3 تموز (يوليو) 1969 الذي أكد مرة أخرى عدم جواز ضم الأراضي بالغزو المسلح، وانتقد القرار الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير معالم القدس وطالبها بإلغاء تلك الإجراءات فورا، كما أصدر مجلس الأمن القرار رقم 478 في 20 آب (أغسطس) 1980 الذي أكد عدم اعترافه بالاحتلال الإسرائيلي للقدس وطالب الدول الأعضاء بسحب بعثاتها الدبلوماسية فوراً من القدس، وأصدر مجلس الأمن الدولي سلسلة من القرارات التي تؤكد أن القدس مدينة عربية فلسطينية إسلامية، وهكذا لو أحصينا عدد القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ضد إسرائيل لألفيناها أكثر من كل القرارات التي أصدرها المجلس ضد كل دول العالم.
ولكن رغم هذا العدد الوافر من قرارات المجتمع الدولي ضد إسرائيل وأعمالها الشائنة في القدس الشريف وفى كل فلسطين بل عدوانها المستمر على كل الدول العربية المتاخمة لإسرائيل.. إلاّ أن إسرائيل تضرب بهذه القرارات عرض الحائط ولا تكترث بقرارات المجتمع الدولي، ومع أن إسرائيل ترفض تنفيذ القرارات الدولية، بل ترفض الاعتراف بهذه القرارات إلاّ أن الدول الغربية الأعضاء في مجلس الأمن تعودت غض الطرف عن الرفض الإسرائيلي لقرارات المجتمع الدولي، بينما استخدمت نفوذها في مجلس الأمن الدولي وأيدت استخدام القوة، والقوة العسكرية لتنفيذ قراراته مع بعض الدول الأخرى، وبالذات الدول العربية!
وإذا كنا نخاف على القدس، فإننا نخاف أن يزحف الفلسطينيون إلى التوقيع على اتفاقيات سلام مع إسرائيل تعطى للفلسطينيين أوصالاً مشوهة من حقوقهم المشروعة، وعندئذ ستلغي هذه الاتفاقيات المشوهة كل القرارات التي أصدرها مجلس الأمن طوال الـ 60 عاماً الماضية!
والمطروح الآن سياسياً هو أن القدس عاصمة لدولتين الدولة الفلسطينية ودولة إسرائيل، هذا التشويه للقدس هو أقصى ما توصل إليه العرب في إطار تسوية سياسية شاملة مع الكيان الصهيوني المحتل، أمّا البديل فهو الانتظار حتى ينفذ الصهاينة أهدافهم العدوانية ويسقط المسجد الأقصى - لا سمح الله - وعندئذ يخسر العرب كل شيء بما في ذلك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي