«أوبك»..حتى لا تكون نمرا من ورق!!
لا يخفى على كل متابع لمُجريات الأحداث على الساحة الاقتصادية الدولية ما لمنظمة الأقطار المنتجة للنفط «أوبك» من مكانة دولية بما حملته على عاتقها من منافحة عن مصالح الدول المنتجة للنفط قرابة 50 عاماً.
يبدأ التاريخ الحديث للنفط منذ عام 1853 عندما اكتشفت عملية تقطير النفط، وذلك للحصول على الكيروسين، وبدأت صناعته الأمريكية عام 1859 عندما اكتشف إيدين دريك الزيت في ولاية بنسلفانيا، لكن في بداية القرن العشرين بدأ الاهتمام يتزايد بالنفط مع ظهور الآلة ومحركات الاحتراق الداخلية وبدأ يدخل ساحة الصراعات السياسية الدولية. لقد مر النفط بعصور مختلفة فأولها من بداية اكتشافه إلى عام 1970 وفيه تمكنت «أوبك» من إلغاء الحسومات على التسويق والاستفادة من الريع ما در مزيداً من الدخول على الرغم من وجود طاقة إنتاجية فائضة، وثانيها من هيمنة منظمة «أوبك» إلى قُبيل الطفرة النفطية الحديثة التي امتدت من عام 2004، حيث بلغ متوسط الأسعار نحو 80 دولاراً للبرميل، وخلال هذه المرحلة التاريخية شهدت أسعار النفط وإنتاجه تقلبات حادة الى أن استقر حديثا حول معدلاته الحالية.
حقيقة الأمر لم تعد «أوبك» تتمتع بذات الهيبة والسلطة التي كانت تتمتع بها في السبعينيات الميلادية، ففي تلك الفترة شهد العالم طفرة سعرية للنفط وكانت دول «أوبك» تمارس حقها المشروع في المحافظة على مصالح بلدانها من خلال حماية الصناعة النفطية برُمتها من الاحتكار والهيمنة الغربية مستفيدة من الأجواء السياسية السائدة في ظل الثنائية القطبية حيث كانت الساحة السياسية مسرحاً لصراع أيديولوجي واقتصادي بين الغرب والشرق آنذاك، وقد تمكنت من خلال أعضائها الفاعلين حينذاك من إعطاء السوق صدمة تجاوبت لها أسعار الخام، ومنذ ذلك التاريخ وأسعار الخام تتفاعل مع السوق باستثناء فترات استرخاء لأسباب سياسية واقتصادية خارج إرادة المنظمة وقدراتها. واقعنا اليوم يشهد تراجعاً ملحوظاً لدور «أوبك» الفاعل، فـ «أوبك» (الكارتل) لم تعد بالقوة ذاتها ولعل الواقع السياسي اليوم شاهد على ذلك. عالمنا اليوم ليس كالأمس بحيث سيطرت الأُحادية القطبية، بل تعدت السيطرة إلى الاستيلاء بصورة مباشرة أو غير مباشرة على منابع النفط، وأصبحت «أوبك» في موقف ضعيف لدرجة أن الحسومات الإنتاجية المتكررة للتأثير في الأسعار لا تتبعها تجاوبات سوقية ذات معنى وقوة. لا بد من الإشارة هنا إلى أن (الكارتل) اتفاق رسمي يضم مجموعة من المنتجين يتم من خلاله الاتفاق على تحديد إنتاج سلعة معينة ولتكن النفط، من خلال تحديد حصص للإنتاج ويكون هذا الاتفاق مُلزماً للأعضاء في وثيقة رسمية (اتفاق رسمي) بحيث تكون هناك جزاءات لمن يخالف هذا الاتفاق. ونظراً لأهمية الدور الذي تقوم به العقوبات، إلا أن الواقع خلاف ذلك، فتجاوزات الأعضاء لم تتوقف، خاصة أوقات انخفاض الأسعار لتعويض انخفاض الدخول، وذلك من خلال بيع مزيد من النفط. ومع الأسف لا يوجد جهاز رقابي يستطيع السيطرة على سلوك الأعضاء، بل يصعب القيام بذلك لوجود الكثير من التحايل. بيد أن (كارتل) مع أعضاء كُثر مدعاة لصعوبة الرقابة على الاتفاقات الرسمية بين الأعضاء، كذلك لن تكون الاتفاقات فاعلة ما لم تكن هناك عقوبات رادعة أو محكمة جزائية تردع المخالف قانونياً بحيث تتم مقاطعته أو فرض حصار عليه من نوع ما. على أنه لا بد من الإشارة إلى مناشدة «أوبك» الدول من خارجها، وعلى رأسها روسيا، النرويج، والمكسيك التنسيق معها من أجل المحافظة على توازن السوق على الرغم من أن وزارة الطاقة الروسية أكدت أن الإنتاج الروسي بلغ ذروته وفي حدود العشرة ملايين برميل يومياً العام الماضي، حيث استغلت روسيا ارتفاع أسعار النفط لزيادة إنتاجها من حقول سيبيريا الشرقية، وبذا تكون روسيا تجاوزت المملكة أكبر منتج للنفط في «أوبك». ولعل من نافلة القول التأكيد على أن «أوبك» تُغطي فقط 40 في المائة من الاستهلاك العالمي من النفط الخام، وهذا يعني أن الباقي يأتي من دول خارج المنظمة، وهذه نقطة ضعف في قدرة «أوبك» على المناورة الاقتصادية والسياسية ومن ثم التأثير في قرارات السوق النفطية، فمن المعلوم أن إنتاج «أوبك» قد بلغ قرابة 25 مليون برميل يوميا باستثناء العراق الذي لا يخضع لنظام الحصص في الوقت الحالي.
يذكر أن الاستثمارات النفطية الهائلة في العراق ستزيد من الطاقة الإنتاجية له إلى قرابة الـ 12 مليون برميل يوميا في غضون السنوات العشر المقبلة، كما أن العراق يسعى وبشكل جاد إلى تعديل الحصص الإنتاجية لدول المنظمة، يضاف إلى ذلك التوقعات بمخزونات نفطية هائلة قبالة سواحل فنزويلا ستجعل «أوبك» في موقف أكثر حرجا أمام التحديات المستقبلية المقبلة. أما المجهودات الأساسية لدول المنظمة فقد لنصبت على اللقاءات التشاورية في حال الرغبة في تعديل مسار السوق. وعليه، فإن القوى المؤثرة في الساحة النفطية ستسمح «أوبك» بأسعار مقبولة وفي حدود معينة لتتمكن دول «أوبك» من معالجة مشكلاتها الداخلية ولتقوم بالاستثمار بتوسيع طاقاتها الإنتاجية مستقبلاً. ولكي تبقى «أوبك» فاعلة عليها التنسيق الجاد لإيجاد آلية تضمن التزاماً رسمياً وجاداً بالحصص مع وضع جزاءات صارمة، وهذا قد لا يكون متيسراً اليوم في ظل ظروف الأُحادية القطبية.