السعودة في مهب الريح
أحمد وعلي صديقان متقاربان عمرا، وحديثا التخرج من قسم التكييف في إحدى كليات التقنية، بتقدير ومستوى متقارب. أتيحت لأحمد الفرصة ليعمل في مؤسسة حكومية براتب خمسة آلاف ريال شهريا، والآخر لم يتح له الحظ أن يتوظف في وزارة أو مؤسسة حكومية أو شركة من الشركات الكبرى المرموقة، بل في منشأة من المنشآت المنتمية إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، براتب 2500 ريال شهريا. هذه المنشأة ولنسمها مؤسسة الوطن لديها عشرات الموظفين من غير السعوديين، وبضعة موظفين سعوديين. وهي واحدة من أكثر من 95 في المائة من منشآت القطاع الخاص، التي يعمل فيها أكثر من 80 في المائة من موظفي القطاع الخاص، وأكثرهم طبعا من غير المواطنين.
يفترض أن يبدأ دوام أحمد الساعة السابعة والنصف وينتهي الساعة الثانية والنصف، ولكن الدوام الحقيقي (كما نعرف في عموم المكاتب الحكومية) يبدأ الساعة الثامنة والنصف تقريبا، وينتهي الساعة الثانية تقريبا بعد الظهر، خمسة أيام في الأسبوع. أما علي فيعمل ثماني ساعات كاملة يوميا على فترتين صباحية ومسائية، باستثناء أيام الجمع.
يشعر أحمد بأمان وظيفي، ويحصل على علاوات سنوية وإجازات منوعة تقارب ضعف ما يحصل عليه صديقه علي. أما علي فيملأه الشعور بالظلم. لديه قناعة بأن وزارة العمل والحكومة والمجتمع كلهم قد ظلموه. كان يرى أنه يستحق ثمانية آلاف ريال شهريا مقارنة براتب وظروف وميزات عمل صديقه أحمد. شعوره بالإحباط والظلم ترجم بكثرة التغيب والانقطاع. صاحب العمل لا يستطيع أن يعطيه راتبا أكثر لأن الجود من الموجود، كما كان يقول ويكرر القول. تعب صاحب مؤسسة الوطن من تدني أداء علي، فوظف بدلا منه غير مواطن ربما تحت كفالته وربما ليس كذلك.
لماذا سعى صاحب العمل لتوظيف غير مواطن؟ الأسباب كثيرة، ولكن جوهرها يتركز في أن نظام الكفالة أو الإقامة الحالي يحفز على توظيف غير المواطنين. النظام يعطي أصحاب العمل سلطة واسعة على العاملين غير السعوديين، وفرصة قوية لاستغلالهم، وهو وضع لا يملكون مثله أو حتى قريب منه مع السعوديين. ولا عجب أن رأينا منظمات حقوقية وعمالية تنتقد نظام الكفالة وتصفه بأنه شبيه بالرق، وإن كان وقتيا. وهناك مساوئ متفرعة كثيرة لنظام الإقامة، فهو يحفز على التستر وعلى التكسب الريعي وعلى الاتكالية وعلى جلب عمالة متدنية المهارة. ولم لا طالما أن المستقدم لمعظم العمالة هي المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي يتصف غالبها بالتدني في القدرات الإدارية والفنية. وكل واحدة من تلك المساوئ تستحق بحوثا ودراسات.
من جهة أخرى، يحفز نظام الإقامة على مخالفة النظام. فمثلا، لدى إحدى مؤسسات المقاولات يد عاملة تحتاج إليها لفترات محدودة من اليوم و/أو السنة. بينما لدى مؤسسة أخرى حاجة لهم في أوقات لا تحتاج إليها المؤسسة الأولى. ومثال آخر من الأفراد. يسافر سائقوهم في إجازة لشهور، فيلجأون خلالها إلى الاستعانة بسائقين من السوق ليسوا تحت كفالتهم. كما أن العمال يستغلون فائض وقتهم للعمل عند الآخرين، سواء بالاتفاق مع كفلائهم أو دونه. وعودة إلى موضوع صاحبنا علي، فإنه بعد تركه العمل، فضل ألا يتعرض إلى ما يراه من مهانة مرة أخرى، وفضل الانتظار أملا في العثور على وظيفة في مكان وراتب يرتضيهما. مع طول الانتظار تعود النوم والكسل وضعفت رغبته في العمل، وألف البطالة.
نصحه بعض أقاربه أن يفتح ورشة للتكييف، مع وجود فرصة للحصول على تمويل ميسر من بنك التسليف. فتح الورشة، ووجد أن من الأسهل والأربح له أن يوظف غير سعوديين للعمل فيها، مقابل مبلغ مقطوع شهريا. وبهذا تحول تمويل بنك التسليف إلى أداة لإيجاد وظائف لغير السعوديين.
أما مؤسسة الوطن التي عمل عندها سابقا فترة من الزمن، فقد وقعت عليها ضغوط وزارة العمل لتزيد من نسبة السعوديين لديها. مع وجود صندوق الموارد البشرية، وجدت إدارة المؤسسة أن بإمكانها ضرب عصفورين بحجر واحد. زيادة عدد السعوديين واستغلال الصندوق لمصلحتها.
عرضت المؤسسة على السعوديين وظائف براتب 4500 ريال شهريا للواحد، منها ألفان من الصندوق، بشرط تناصفها بين الموظف والمؤسسة، أي أن الراتب الفعلي (الذي سيدخل جيب الموظف) 3500 ريال. وبذا تكون المؤسسة قد سرقت من الصندوق وبتواطؤ مع الموظف ألف ريال شهريا عن الموظف الواحد، أو بعبارة أخرى، كلفها توظيف السعودي 1500 ريال وليس 2500 ريال شهريا.
بل تعلم صاحب المؤسسة ما هو أدهى. وجد أن بإمكانه توظيف سعوديين اسما لا حقيقة مقابل منفعة متبادلة بين الطرفين من أموال الصندوق، فكأن السعوديين يعملون عنده مجانا.
حتى مع تدخل صندوق الموارد البشرية، ما زال العمل في الحكومة أفضل كثيرا من العمل في مؤسسة الوطن. ستتقارب جاذبية العمل بين الحكومة ومؤسسة الوطن إذا كان الراتب في المؤسسة قرابة ثمانية آلاف ريال شهريا مقابل راتب قرابة خمسة آلاف ريال شهريا في الحكومة. ولكن الصندوق يرى أنه ليس بمقدوره وليس من المعقول أن يدفع الفرق وهو 5500 ريال شهريا للمواطن حتى يتساوى عند المواطن العمل في مؤسسة الوطن أو في مؤسسة حكومية. وحتى لو فعل الصندوق ذلك، فالحافز على استغلال الصندوق بطرق غير مشروعة سيزيد، أي أن التوسع في سياسة الدعم يزيد من حافز الفساد، ويعطي المزيد من النتائج العكسية. الحد من الاستقدام سيعمل على الحد من المشكلة السابقة. وبصورة أعم، لا شك أنه لا يمكن الجمع بين الخليطين إدمان الاستقدام وتوظيف المواطنين. وبعبارة أخرى ''مشكلة البطالة ستبقى ما بقيت أبواب الاستقدام مشرعة''، وهذا عنوان مقال الزميل الفاضل محمد الشريف الاثنين الماضي 25 كانون الثاني (يناير)، والتي دعاه إلى كتابتها ما كتبه الدكتور عبد الرحمن الزامل الإثنين الذي قبله 18 كانون الثاني (يناير) 2010، بعنوان ''استراتيجية توظيف السعوديين: هل ينتظر العاطلون حتى عام 2025 ليتم توظيفهم''. وأظن أنه لا خلاف على صحة عنوان مقالة الأخ الشريف. بل إن الدكتور غازي القصيبي وزير العمل ونائبه الدكتور عبد الواحد الحميد والدكتور مفرج الحقباني وكيل الوزارة للتخطيط وزملاءهم الآخرين في وزارة العمل يعرفون ذلك جيدا وصرحوا به مرارا وتكرارا. بل لا ننسى قرارات مجلس الوزراء الشهيرة في الخامس من المحرم 1426هـ للحد من الاستقدام والبطالة.
للقارئ أن يعجب .. علام استمرت المشكلة قوية؟
التحليل الاقتصادي لسوق العمل يبين أنه يجب أن يرتكز توطين الوظائف في القطاع الخاص (وخاصة في المنشآت الصغيرة والمتوسطة) على حلول هيكلية طويلة الأمد ترتكز على نظام أجور يستند في المقام الأول على السوق market-based wage system، وليس على تجزئة سوق العمل حسب القطاع (حكومي وخاص) أو حسب الجنسية (نظام الإقامة). وهذا يعني تقليص الفجوة مع الوقت بين القطاعين العام والخاص بالنسبة للمواطنين، من حيث الأجور والإجازات والأمان الوظيفي والتقاعد. كما يعنيان تقليص الفجوة بين اليد العاملة الوطنية وغير الوطنية في الحقوق والواجبات المتعلقة بالعمل، بما في ذلك حرية الانتقال من عمل إلى عمل.
وفي هذا، ينبغي أن تتوازن وتتسق السياسات المرحلية كسياسات الحد من الاستقدام وخاصة ذات المهارات المتدنية والمتوسطة مع هدف التحول إلى نظام أجور قائم على السوق، وإلا لن تنجح سياسات الحد من الاستقدام.
سوق العمل (الحكومي والخاص) في الدول الصناعية أو المتطورة اقتصاديا قائم على قوانين تستند إلى السوق. ولم توضع هذه القوانين عبثا، لأن التحليل الاقتصادي يؤكد أن مرونة سوق العمل شرط لحماية اليد العاملة الوطنية وشرط لتحسين أدائها. وهناك ما يشبه الإجماع (في التحليل الاقتصادي لسوق العمل) على انتقاد وجود ازدواجية أو تجزئة في سوق العمل labor market segmentation. وقد كتبت في هذه الموضوعات مئات البحوث والدراسات النظرية والتطبيقية.
وحتى لا يساء الفهم، لا ينكر أن هناك قدرا من تأثير القطاع والجنسية على الأجور، ولكن هذا التأثير ينبغي أن يكون ثانويا مقارنا بتأثير السوق.
التحول إلى نظام أجري سوقي لليد العاملة شرط لنجاح الحد من الاستقدام، والحد من الاستقدام شرط لنجاح الحد من البطالة. أما التفاصيل وآليات التنفيذ فتتطلب دراسات ومناقشات مستفيضة، وبالله التوفيق،،،