التعليم العالي والانطلاقة نحو العالم الأول
الحقائق على أرض الواقع تقول إن التعليم العالي يخطو خطوات جبارة ومتسارعة وفي كل اتجاه وعلى جميع المستويات. ما يحدث هو بكل المقاييس طفرة يصعب على البعض تصديقها خاصة أعضاء هيئة التدريس من أمثالي الذين عاصروا التعليم العالي في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وهو يحبو بل يكاد يتوقف. لا شك أن هناك حراكا تعليميا وثقافيا سعوديا ورؤية وطنية جادة نحو الانطلاق إلى آفاق أرحب من التحضر الاجتماعي والتقدم الصناعي. ويبدو جليا أن السعودية عازمة على المضي قدما في التحول من دولة نامية إلى دولة صناعية مقتفية أثر دول مثل كوريا وماليزيا وسنغافورة. فالقاسم المشترك في نجاح هذه الدول أنها جعلت تطوير التعليم والاهتمام بالأبحاث والدراسات التطبيقية محور التنمية الوطنية وانطلاقتها نحو التنافسية. هذه التجارب الدولية الناجحة واللافتة إلى الانتباه بسرعة التحول لدول صناعية من الطراز الأول وفي زمن قياسي تؤكد حقيقة مفادها أن الاهتمام بالتعليم شرط لازم ومتطلب أساسي للتقدم الصناعي والاجتماعي، وأنه ليس ثمة سبيل لتطور المجتمعات النامية ورقيها إلا الولوج من بوابة العلم والسير في طريقة الطويل المليء بالتحديات والصعوبات. وهذا ما أشار إليه الدكتور خالد العنقري وزير التعليم العالي في كلمته الافتتاحية للمعرض الدولي للتعليم العالي في (أن منطلقات التعليم العالي في المملكة تأتي من خلال استراتيجية تستند إلى رؤية واضحة، ومحددة من أهم أبعادها أن يكون التعليم العالي محركاً رئيساً، وشريكاً أساسياً في التنمية، وذلك من خلال العمل على تأهيل رأس المال البشري الذي يُعد واحداً من أهم روافد الاقتصاد المعاصر المتميز، وإن التأثير المجتمعي للتعليم العالي يتجلى في السعي لمساعدة المجتمع السعودي على التحول إلى مجتمع المعرفة، فالتعليم العالي يُعد محوراً جوهرياً في إعداد الكفاءات البشرية، من خلال توفير جميع المعلومات وتطوير المهارات والتعليم التطبيقي، سعياً لوصول المجتمع السعودي إلى معدلات قياسية في إنتاج المعرفة، ونشرها وتطويعها في الأنشطة الإنتاجية والخدمية المختلفة). وبنظرة فاحصة وموضوعية ومحايدة للإحصائيات والأرقام المذهلة حول التعليم العالي في السعودية نجد أنها تؤكد هذا التوجه وقناعة صناع القرار والمسؤولين بحقيقة أن التعليم هو التنمية وليس الترف المادي عبر مشاريع أسمنتية وسلع وخدمات مستوردة.
هذا النهج الجديد في التنمية ينم عن استيعاب كامل لتجارب التنمية الوطنية السابقة بإيجابياتها وسلبياتها. ولكن يبقى الأمر المهم في هذا السياق في تغيير النظرة عن التنمية من التهافت على الشكليات والماديات إلى الاجتهاد في إعادة تثقيف المجتمع وتهيئته للمساهمة الفاعلة في إضافة قيمة في عملية الإنتاج والارتقاء بالسلوكيات العامة وتعزيز قيم احترام الوقت والقانون وعمل الأفضل. إنه السير باتجاه العالم الأول، وهو ما يفسر الإنفاق السخي على قطاع التعليم بلغ ما يقارب ربع الدخل العام. هذه نسبة تدل دلالة واضحة على الأولوية التي يحتلها التعليم في العمل التنموي الحكومي. وباستعراض سريع للتطورات التي حدثت في قطاع التعليم نجد أن هناك نموا مطردا في جميع المجالات. فقد ارتفع عدد الجامعات الحكومية بنسبة ثلاثة أضعاف، لتصل إلى 24 جامعة، إضافة إلى إنشاء 29 جامعة وكلية أهلية، وهناك نمو كبير في كليات الطب تجاوز الضعف، وزاد عدد كليات المجتمع وكليات الحاسب الآلي بما يقارب خمسة أضعاف، فيما ارتفع عدد المحافظات والمدن المشمولة بمؤسسات التعليم العالي إلى 38 مدينة بنسبة نمو تقدر بـ 138 في المائة. كما ارتفع عدد المستشفيات التعليمية المعتمدة في ميزانيات الجامعات من ثلاثة مستشفيات إلى 12 مستشفى جامعيا. وتضاعفت كليات العلوم ليصل عددها إلى 21 كلية، أما كليات الهندسة فزاد عددها إلى 20 كلية بنسبة نمو تقارب الضعف، فيما تم إنشاء أربع كليات للتمريض خلال السنوات الماضية، وارتفع نمو كليات العلوم الطبية التطبيقية بنسبة ثلاثة أضعاف، كذلك ارتفعت نسبة النمو في كليات الصيدلة من ثلاث إلى ثماني كليات. هذا إضافة إلى برنامج الابتعاث الذي بلغ عدد المبتعثين الآن إلى أكثر من 80 ألف مبتعث، في تخصصات حيوية مختلفة بجامعات في أكثر من 16 دولة حول العالم.
وعلى أن كل تلك الإحصائيات تبشر بمستقبل واعد للسعودية إلا أنه يلزم في خضم هذا التوجه الحميد التركيز أيضا على التنظيم الإداري للجامعات وإعادة هيكلتها لتكون أكثر قدرة على العطاء والمساهمة الفاعلة في التنمية والاستجابة لمتطلبات المجتمع الحقيقية، وتكون مصدر إلهام وإبداع وابتكار. الجامعات الحكومية ظلت ردحا من الزمان منكفئة على ذاتها منشغلة بالإجراءات الروتينية بعيدة عن هموم وقضايا الوطن ومبعدة عن التداخل في صناعة السياسات العامة وتقديم المشورة والعون لأصحاب القرار. هذه العزلة أدت إلى إحباطات كثيرة لأعضاء هيئة التدريس الذين تم إنفاق الملايين من الريالات في تعليمهم وتدريبهم إلا أنه لم يتم الاستفادة منهم في عملية التنمية وحالت الإجراءات البيروقراطية العقيمة من ممارستهم للمهنة ليتحولوا إلى منظرين بعيدين عن الواقع العملي. الجامعات الحكومية ومن أجل أن تكون أكثر حيوية كما ينبغي لها يلزم تحويلها إلى منظمات غير ربحية يديرها مجلس للأمناء يمثلون شرائح المجتمع المختلفة وتمنح الاستقلال الإداري والمالي التام ويكون الدعم الحكومي لكل جامعة حسب عدد الطلاب ونوعية التخصصات. هكذا نوجد مناخا من التنافس بين الجامعات يؤدي إلى تحسين جودة التعليم. الوضع الحالي بيات بيروقراطي وإن كان هناك حركة تطويرية تشهدها بعض الجامعات ويأتي على رأسها جامعة الملك سعود بمبادرات شخصية شجاعة إلا أنها تظل في دائرة ضيقة تقيدها الإجراءات المعقدة. ومن نافلة القول أن الإنفاق الحكومي السخي لا يكفي في نقل التعليم العالي إلى مستويات أعلى إلا إذا تم إعادة هيكلة الجامعات ومنحت صلاحيات أكبر، وتم تطبيق اللامركزية في داخلها حيث تكون للأقسام العلمية صلاحيات واسعة وميزانيات مستقلة والبحث عن التمويل وقبول المنح وتوقيع عقود مع الشركات. بهذا فقط نستطيع أن ننطلق بالتعليم العالي عاليا ونحقق طموحاتنا الوطنية.