ارتفاع الأسعار وكيفية حماية المستهلك

في هذه الأيام تتعرض الأسواق السعودية لهجمة جديدة من ارتفاعات الأسعار على كل السلع والخدمات، والمؤسف أن وزارة التجارة والصناعة وهيئة حماية المستهلك لم تبدآ بعد مهمتهما في محاربة الغلو في الأسعار.
وفي تقديرنا فإن هذه الموجة من ارتفاعات الأسعار هي مقدمة لموجات قادمة تأتى في أعقاب بداية الخروج من الأزمة المالية العالمية وانتعاش الاقتصاد الدولي.
وإزاء الزيادة في الأسعار واحتمالات المزيد من الزيادات، فإن المواطن السعودي المغلوب على أمره ليس أمامه إلاّ أن يستغيث بوزارة التجارة والصناعة وهيئة حماية المستهلك لحمايته من غول الأسعار والقيام بوظيفة ''تحطيم الأسعار تحطيماً!''.
ولكن في ذاكرة التجارب السابقة صعب على وزارة التجارة، ثم وزارة التجارة والصناعة مواجهة موجات ارتفاعات الأسعار وكبح جماحها، ولذلك فإن التقارير التي صدرت أخيرا عن مراكز الأبحاث تتوقع استمرار التحسن في انتعاش الاقتصاد مع الزيادة في ارتفاعات الأسعار خلال هذا العام 2010 والعام الذي يليه 2011.
وفي خضم حالة الرواج الاقتصادي فإن الطلب على البترول - بالطبع - سيزداد نتيجة خروج المزيد من الدول من نفق الأزمة المالية العالمية، وإذا زاد الطلب على النفط فإن المراقبين يتوقعون أن تصل أسعار النفط إلى 85 دولاراً للبرميل مع نهاية 2010، ولكن مع استمرار الزيادة في الانتعاش الاقتصادي في عام 2011، فإن أسعار النفط ستواصل ارتفاعاتها حتى تصل إلى 90 دولاراً للبرميل.
وعندئذ يكون لدى الدول الصناعية مبرر موضوعي لزيادة أسعار السلع والخدمات، ولهذا فإن المواطن السعودي ـ كغيره من مواطني دول الخليج ـ سيتعرض لسلسلة من الزيادات في الأسعار في غضون هذا العام والعام الذي يليه.
والمؤلم أن التجار في دول الخليج لا يقدرون ظروف الشريحة الأكبر من محدودي الدخل، وإنما ينتهزون الظروف الصعبة ويتسابقون إلى زيادات مضاعفة في أسعار السلع والخدمات.
وإذا تابعنا أسواق المحاصيل الزراعية نلاحظ أن بعض التقارير الدولية بدأت تتحدث عن أزمة متوقعة في إنتاج السلع الزراعية، في الوقت الذي بدأت الأسواق العالمية تقدم المزيد من الأدلة على زيادة معدلات الانتعاش الاقتصادي لكثير من الدول والتعافي من الأزمة المالية العالمية. ونحن إذا تابعنا التقارير التي تصدر عن صندوق النقد الدولي في بحر عام 2009 نلاحظ إن التقارير لا تعبر عن الواقع، وأن أرقام الصندوق تذهب بعيداً عن الأرقام التي تسجلها الأسواق العالمية، وأنها لا تخلو من المبالغات والأخطاء المقصودة وغير المقصودة، فقد أشار تقرير الصندوق حول الطلب على النفط بأن الطلب على النفط سينخفض وستعاني الاقتصادات الخليجية من أزمات وشيكة. وكان وزير المالية الدكتور إبراهيم العساف قد رد على تقرير الصندوق وقال إن التقرير تشاؤمي أكثر من اللازم، وأكد أن لديه تحفظاً على التقرير خصوصاً وأن التقرير استند على إيرادات النفط فقط، وقال الوزير في معرض رده على تقرير صندوق النقد الدولي إن السعودية قدمت دلائل على خروجها من دائرة الانكماش بالتوسع في الإنفاق الحكومي بشكل لم يسبق له مثيل وإنه على عكس الصندوق متفائل جداً بمعدلات النمو في العام 2010. وبقراءتنا للأرقام على أرض الواقع نجد أنها تؤكد صحة تقديرات وزير المالية السعودي، ولا ندري كيف وقعت في يد الصندوق نتيجة مفادها أن الطلب على النفط سينخفض رغم أن الصندوق أصدر بيانات يقول فيها إن الاقتصاد العالمي يحقق تقدماً على طريق التعافي من بعض مظاهر الأزمة المالية العالمية!
ومن ناحيته أوضح المهندس علي بن إبراهيم النعيمي وزير البترول والثروة المعدنية أن سياسة المملكة في استثماراتها في مجال زيادة الإنتاج تتسم ببعد النظر ولا تتأثر بالاضطراب الذي ينتاب السياسات المتعلقة بالطاقة وأسواقها في الوقت الراهن، وقال في تصريح ذي شأن ''إنه في الوقت الذي قام فيه البعض بتأخير استثماراته في قطاع الطاقة أو حتى إلغائها.. واصلت السعودية تنفيذ استثماراتها في قطاعات التنقيب والإنتاج والتسويق والتكرير من أجل ضمان استمرار تدفق الإمدادات وتلبية الطلب المتوقع والمتزايد عندما يتعافى الاقتصاد العالمي من الأزمة التي بدأت أولى مراحل التلاشي، حيث توقع الوزير النعيمي -كما أشرنا- أن تشهد السوق العالمية للنفط صعوداً للأسعار بصورة مشابهة للصعود الذي شاهدناه في عامي 2006 و2007.
إن هناك أسباباً موضوعية لزيادة أسعار النفط وليست أسباباً وهمية أو تعسفية، فبعد انحسار بعض مظاهر الانكماش ستشهد السوق بداية مرحلة رواج بمعدلات مرضية، وسيعقبها العودة - شيئاً فشيئاً - إلى ما كان عليه الاقتصاد الدولي قبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية.
ولذلك فإن السوق العالمية ستتأثر بارتفاعات أسعار النفط، وستنعكس هذه الزيادة في زيادات ملحوظة على جميع السلع والخدمات.
والمطلوب من وزارة التجارة والصناعة ممارسة كل قوتها للحيلولة دون استمرار الزيادة في الأسعار، لأن الزيادة في الأسعار ستزيد من معدلات التضخم وتلحق أضراراً بالغة بالاقتصاد الوطني.
والمطلوب بإلحاح من هيئة حماية المستهلك أن تثبت وجودها وتؤكد للقيادة حضورها الفاعل في حل مشكلة الأسعار المجنونة التي أوقعت محدودي الدخل في مشكلات اقتصادية واجتماعية لا تعد ولا تحصى، ونذكر - على سبيل المثال - أن من حق هيئة حماية المستهلك أن تقدم الشركات أو المصانع أو التجار المغالين في الأسعار إلى المحاكم وتسعى للحصول على أحكام تعاقب كل من تسول له نفسه المغالاة في الأسعار والعبث بقوت الناس، وهيئة حماية المستهلك مخولة بموجب نظامها الذي صدر بمرسوم ملكي بممارسة حقوق الدفاع عن المستهلك بكل الوسائل الشرعية المشروعة.
إن الدفاع عن حقوق المجتمع المدني هو أهم الوظائف التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني، وبالذات في مسألة ذات شأن كبير كمسألة الغلو في الأسعار وفضح البيوت المستورة بغير وجه حق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي