رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لجنة الفصل في المنازعات .. استدراكات

مشكلة الكتابة الاقتصادية عموما أنها ببساطة عرضة للنقد بغض النظر عن مساحة التنظير وعمقه داخل المقال، فالتحليل الاقتصادي ليس مجرد رأي يستند إلى نظرية فقط بل إن الكاتب الاقتصادي في حاجة إلى بيانات مستقاة من الواقع الاقتصادي حتى يتمكن من الربط بين النظرية والحركة الاقتصادية الفعلية ويتمكن من تقديم تنبؤات علمية. لكن المشكلة التي تواجه معظم الكتاب الاقتصاديين هي محدودية البيانات المتاحة وصعوبة الحصول عليها من مصادرها الموثوقة. ورغم تطور سوق المال في المملكة وتطور صناعة المعلومة من خلال التطور الذي يشهده عالم الإنترنت إلا أن حجم المعلومات القابلة للتحليل الاقتصادي لم يزل محدودا أو أنه تعرض بطريقة تكتنف عملية تحليلها صعوبات فنية أو مادية وتحتاج أحيانا إلى تفرغ غير متاح لكتاب الرأي الاقتصادي في غالب الحال. الأسوأ من ذلك أن معظم البيانات تعرض بطريقة مبتورة حتى إذا علق محلل اقتصادي جاء الرد عنيفا من الجهة المعنية بالموضوع واتهامات بالجملة مع تجهيل الكاتب وتشكيك في منهجيته وعلميته ثم عرض مفصل لمعلومات لم تكن متاحة للعموم وقت إعداد المحلل لرأيه الاقتصادي. بالتأكيد يحقق المحلل نجاحه عندما تكتشف الجهة أن جزءا من المعلومة لم يصل بطريقة مفهومة للجمهور وتقوم من خلال الرد بتقديم عرض أفضل لتلك المعلومات وهذه هي بغية المحلل الاقتصادي في كل الأحوال، وهي وصول معلومة جيدة ومفهومة للسوق تمكن من اتخاذ قرار اقتصادي رشيد.
في هذا الإطار ناقشت في مقال الأسبوع الماضي موضوع لجنة الفصل في المنازعات وهي الهيئة التابعة لنظام السوق المالية وفقا للمادة (25) من النظام. واليوم في هذا المقال استدراكات لما ورد في مقال الأسبوع الماضي. والسبب وراء هذه الاستدراكات هو ما وزعته هيئة الفصل في المنازعات من توضيحات عن أعمالها منذ 2005 وحتى 2009. وقبل الخوض في التفاصيل أعود إلى ما صدَّرت به هذا المقال من أن الكثير من المعلومات قد لا تكون متاحة للعموم عند كتابة المقال ولكن بعض الجهات تتفاعل مع موضوع المقال وتزود الكاتب بالمعلومات التي كانت غائبة. لذلك من حق القارئ أن يبقى على اطلاع بالمعلومات الجديدة وما طرأ على فكر الكاتب من تغير بسبب تلك المعلومات.
أعود لهيئة الفصل في المنازعات، حيث أشرت في المقال السابق إلى أن دورها انحصر في قضايا الهيئة ضد المتداولين فقط، بينما غاب عنها قضايا السوق الأخرى. ومن خلال بيان الهيئة الموزع فإنني استدرك على المعلومة. فقد نظرت الهيئة فعلا في 863 قضية منذ 2005 وحتى 2009، بينما أصدرت 676 قرارا موزعة بين مدنية (591 قضية) جزائية (72 قضية) وإدارية (13 قضية). وقد توزعت القضايا المدنية في خمسة أنواع وهي (مستثمر ضد وسيط) و(مستثمر ضد مستثمر) و(مستثمر ضد شركة مدرجة)، وبلغ حجم التعويضات في هذه القضايا أكثر من 30 مليون ريال. وقد تطورت أعداد هذه القضايا من عام إلى عام، فبينما انحصرت القضايا في شكل (مستثمر ضد وسيط) عام 2006 حتى شملت جميع الأنواع ومنها (مستثمر ضد مستثمر) في نهاية عام 2009 وتطور حجم التعويضات في هذه القضايا من مبلغ 555 ألف ريال عام 2006 حتى أكثر من 13 مليون ريال عام 2009. هذا يعني أن القضايا التي نظرت فيها لجنة الفصل في المنازعات لم تكن محصورة في القضايا الجزائية التي تكون هيئة السوق المالية طرفا فيها. هذا الأمر سيضيف الكثير من الطمأنينة إلى السوق وإمكانية التقاضي أمام لجنة متخصصة فيما لو تعرض أحد المتداولين في السوق إلى تضليل أو ممارسات مخالفة لقواعد السوق. بالتأكيد هذا خبر جيد، ومن المهم أن تصل هذه المعلومة إلى السوق بشكل أو بآخر، لذلك فإنه من المناسب الإشارة إلى أن لجنة الفصل في المنازعات ستطلق موقعا إلكترونيا للجنتي الفصل في المنازعات والاستئناف وذلك تحت الرابط www.crsd.org.sa. وفي اعتقادي أيضا أنه من الضروري أن تتبع الهيئة النموذج الذي اتبعته لجنة المساهمات العقارية من توقيع عقود للمراجعين المرخص لهم لمباشرة أعمال التصفية. ليس بالضرورة توقيع عقود بهذا الخصوص لكني أعتقد أنه من المناسب وجود سجل للمحامين الذي يحق لهم الترافع في قضايا التعويضات، حيث تضمن الهيئة تمثيلا مهنيا مناسبا في تلك القضايا لأنه، وكما هو معلوم، أن مهنة المحماة لم تنظم حتى الآن بشكل جيد فممارسة المنتفعين والدخلاء على المهنة من غير المختصين سيؤثر في شكل أعمال اللجنة وحجم القضايا المعروضة وجديتها.
ورغم كل هذه المعلومات الجيدة فإن مسألة الاستقلال الظاهري Appearance Independence للجنة لم تزل قضية تحتاج إلى اهتمام. وعندما نتحدث عن الاستقلال فإنه ينبغي التذكير بأن للاستقلال أنواعا، منه الاستقلال الذهني والاستقلال الظاهري لأعضاء اللجنة وكذلك اللجنة ككل. الاستقلال الذهني هو عدم تحيز اللجنة إلى أي طرف بسبب التأثير الذي يمارس على تفكير أعضائها بأي طريقة مثل إخفاء معلومات مهمة أو ممارسة ضغوط على اللجنة من أي نوع. بينما الاستقلال الظاهري يعني عدم وجود أي علاقة أو منافع ولو شكلية مع أي طرف ومن أي نوع قد يثير الأسئلة ومن ثم الشك في استقلال اللجنة أو أعضائها. قد يقول البعض بعدم أهمية الاستقلال الظاهري طالما أن الاستقلال الذهني مضمون وهذا القول غير صحيح، حيث إن حكم العامة على الاستقلال الذهني يقوده حكمهم على الاستقلال الظاهري. لذلك يجب أن تحافظ الهيئة على كل نوع من أنواع الاستقلال لأن أعمالها تقوم على أكتاف مفهوم الاستقلال وأي خدش يصبه سوق يتسبب في قتل مصداقيتها. لذلك لا استدرك على أهمية بقاء للجنة مستقلة تماما عن الهيئة حتى في الإجراءات والمقرات والمواقع الإلكترونية وحتى في إعلان القرارات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي