مثقفون ينتقدون غياب التخصص في الإعلام وضعف مواكبته للحراك الثقافي
حين تتوحد الثقافة مع الإعلام في منظومة واحدة، فهذا لا يعني أنها ستحظى بأكثر مما يحصل عليه غيرها من اهتمام، لكنه في المقابل يجعلها جديرة على أقل تقدير بالحد المقبول من التفاعل الإعلامي مع مشهدها وفاعليتها ومشروعها ككل.
ليس مهما شكل الإبداع بقدر أهمية أن يظهر على المرآة كاملا، كما لا يكون الفعل الثقافي مجدياً ما لم يحقق ردة الفعل بدءا من استجابة المتلقي وليس انتهاء بتفاعل الإعلام، الآن، وبعد سنوات طويلة من الصحافة الثقافية التي دعمها المشهد الإلكتروني في مرحلة لاحقة قبل أن تظهر قبل أسابيع فقط أول قناة ثقافية متخصصة في المملكة، ما زال السؤال قائما.. أين يقف الإعلام الثقافي الحالي بمختلف وسائله المرئية والمسموعة والمقروءة من مسؤولية مواكبة الحركة الثقافية المتسارعة في سنواتها الأخيرة، وكيف هي المنهجية الأكثر واقعية لتحقيق ذلك بعيدا عن التنظير .. للمثقفين رؤيتهم في هذا الشأن ولنا طرحها ولكم الحكم.
#2#
القاص والمسرحي عبد العزيز عسيري ينفي بشكل قاطع وجود المواكبة الإعلامية للحراك الثقافي حاليا، مشيرا إلى أهمية التعرف على طبيعة العمل الثقافي الأكثر حركية واستحقاقا للتفاعل الإعلامي كبداية مهمة تكفل القيام به كما يجب، ويقول: «أرى أن نؤمن بالحقيقة الراسخة أن جمعيات الثقافة والفنون هي القادرة على صنع حركة ثقافية وليست الأندية الأدبية بطريقة عملها السابقة والحالية وإن سعت حديثا إلى اقتباس مشاريع الجمعيات وتنفيذها بصورة لا بأس بها بحكم ثرواتها المتنامية.
فالطبيعي أن يقوم الإعلام الثقافي بتغطية أنشطة الجمعيات بحرفية وليس مجرد ناقل خبر إلا ما ندر كي يواكب أو يلامس الحراك الحقيقي لكنه لأسباب متعددة اتجه إلى الأندية الأدبية لتغطية نشاطاتها التي لا تعبر بصدق عن الحالة الراهنة».
ويعتقد عسيري أن غياب التخصصية عن العمل الإعلامي أسهم بطريقة ما في ضعف الحس الإعلامي المعني بمتابعة الشأن الإبداعي، حيث يقول «تبقى مشكلة حرفية الإعلامي، فللأسف لا يوجد لدينا إعلاميون متخصصون في المجالات والأوجه الثقافية، يفترض أن يكون هناك إعلامي ذو معرفة بالمسرح لتغطية نشاطاته وآخر في الوسيلة الإعلامية نفسها ذو معرفة بالموسيقى وهكذا ليس شخص أو شخصان يهويان بالمنجز الثقافي بعرضها الإعلامي، وأعتقد أن كثيرا من المثقفين واجهتهم بلادة وسطحية الأسئلة التي توجه لهم من بعض من يمثلون الوسائل الإعلامية».
ويختم عسيري بأمله أن يتولى الإعلام الثقافي مثقفون يدركون كنه وقيمة العمل الذي يتعاطون معه إعلاميا ويبقى محرر أو ناقل الخبر في مجاله.
من ناحيته يعلق الشاعر والكاتب فهيد العديم متحركا في مساحة ما بين الحراك القائم ومحاولات إيجاد صوت إعلامي موازٍ يعبر عنه، مشيرا إلى وجود فارق يتسع بين الجانبين، فيقول: في العقد الأخير وثبت الحركة الثقافية وثبات هائلة ونوعية فيما بقى الإعلام الثقافي - على افتراض أن هناك إعلاما ثقافيا جادا - يقدم الثقافة كجزء من الكماليات في أحسن الأحوال, الإعلام بشكل عام يقدم الثقافة كمنتج غير قابل للتسويق, وهذه الحيلة انطلت ليس على المتلقي فحسب بل على المثقف نفسه الذي نأى عن الإعلام بحجة أنه صاحب بضاعة نخبوية وتباعدت المسافة بينه وبين المتلقي العادي الذي أضحى يتوجس من مفردة «ثقافة» فأصبحت الكلمة شيئا مجهولا كالأندية الأدبية الصامتة!
وحول ما ينتظره كمثقف من إعلام الثقافة عبر مختلف وسائله، يجيب العديم: «نعوّل كثيراً على قناتنا «الثقافية» الوليدة, سيما أنها قناة غير ربحية ونتمنى أن تستقطب كثيرا من شتات مثقفي الوطن, كما نتمنى أن تقدم الثقافة ببعدها المعرفي والإنساني للمشاهد العادي, أما الإعلام المقروء فنأمل من المجلات الثقافية المتخصصة أن يكون هاجسها هو التثقيف وليس فقط مخاطبة المثقف النخبوي».
#3#
الناقد الدكتور فواز اللعبون يركز على ارتباط الإعلام بنهضة الثقافة وتأثيره المباشر فيها معلقا: الثقافة جملة انعكاسات، ومن بين ما تنعكس عنه الإعلام، ولذا فهي منه وإليه في أحد وجوهها، ومعنى هذا أن أي تراجع ثقافي سينعكس على الإعلام الثقافي، كما أن تراجع الإعلام الثقافي قد يؤثر سلباً في الحركة الثقافية.
ومهما يكن فإنني ما زلت أطمح إلى مزيد من الوعي الثقافي الذي سيرسم ملامح إعلامية جديدة للإعلام الثقافي، فما هو حاصل الآن على المستوى الإعلامي لا يتوازى مع الحركة الثقافية بشكل كاف، وأخشى أن تسهم هذه الكفة المائلة في تقهقر الحركات الثقافية القادمة، أو الخروج بها عن مسارها إلى مسارات أقل جدية، وأكثر ضحالة.
ويطالب اللعبون بمزيد من العمق في الطرح والبعد عن الابتذال المتعلق بالإثارة غير المجدية، مضيفا : «أكثر ما أنتظره هو أن يتخلص الإعلام الثقافي من ثقافة الشللية، والنظرة التسويقية، والتعلق بالقشور، وأن يصب اهتمامه على الحراك الجاد المؤثر، وأن يلتفت إلى رجاله الفاعلين، ونتاجه القوي، هذا إذا كنا نريد إعلاماً ثقافيّاً يليق بنقلاتنا الحضارية على مختلف الصعد».
الشاعر والقاص ماجد الثبيتي يعلق بدوره قائلا : لا أعتقد أن الإعلام الحالي يواكب المرحلة الثقافية بمتطلباتها الراهنة وتسارعها النوعي – ويرجع ذلك في نظري لما يعانيه الإعلام الثقافي من ضعف في أدواته الفنية على مستوى المواكبة وتخلف في العصر عبر أشكال بدائية وسطحية في المنجز الحالي الذي هو بلا عمق، وكذلك قلة الكفاءات العاملة فيه الواعية والاحترافية التي نجدها مثلاً في الإعلام الثقافي اللبناني - والمؤسف أكثر هو استمرار وتواصل التطور الثقافي في التجارب الإبداعية الجديدة بمعزل عن المواكبة الضرورية من الإعلام التي تأخرت عن ذلك.
#4#
بدوره يتحدث الناقد الدكتور عبد الله المعيقل مركزاً على أهمية الجانب التأهيلي في تقديم عمل مهني يمكنه التصدي لمهامه الإعلامية، فيقول: «ينبغي على المحرر الثقافي أن يكون لديه تدريب مناسب ولا يكتفي بالهواية فقط، وأن يكون على اطلاع واسع وحديث على الموضوعات التي يتصدى لها وأن يتحلى بالموضوعية والأمانة، ويلتزم بالأمانة العلمية فيما ينقله عن الآخرين، وأن يتصف ببعد استشرافي فيما يكتب أو يجري من حوارات أو «مقالات» ولا يخلط بين الموضوعي والشخصي.
في الغرب يعرف الإعلامي الثقافة بقدرته على إجراء حوارات مع مشهورين تظل حديث المجتمع لفترة طويلة لما يستطيعه الإعلامي من قدرة على التوجيه أسئلة تثير قضايا جوهرية ولما ينتزعه من معلومات جديدة في المجال الذي يتخصص فيه الضيف، وهذا ما كان ممكناً مع إعلامي لا يملك مثل المؤهلات والصفات التي أشرت إليها».
ويضيف المعيقل: «عندنا مثقفون إعلاميون رائعون ولكن أيضاً توجد هواة تنقصهم الثقافة فنجد الأسئلة الموجهة للضيف أحيانا ساذجة أو غير مهمة أو طرحت كثيراً، بل إن بعض الأسئلة يناقض بعضها بعضاً بسبب ضعف المحصول الثقافي وعدم مواكبة ما يجري في المجال الذي يتصدى للكتابة أو الحوار حوله».