الصمت المزعج!!

هناك حقيقة يستوجب علينا كمجتمع (جماعات وأفراد) إدراكها، والوطن يخوض بحرا لجيا من الصراعات الدولية والضغوط الخارجية، فضلا عن المتغيرات والمستجدات على الساحة الداخلية. الحقيقة الثابتة أننا كمجتمع (بجميع فئاته الاجتماعية ومذاهبه الفكرية وأطيافه الثقافية ومستوياته الاقتصادية) لا يسعنا إلا التعايش السلمي والحرص على استتباب الأمن والوحدة الوطنية والالتفاف حول القيادة الشرعية التي تحكم شرع الله وبه تعدل. والجميع شاهد ما يحدث في بلدان الجوار وغيرها التي انتابتها حالة من الفوضى واستحكمت فيها النزاعات والصراعات وراحت تمزق المجتمعات وتأتي على الأخضر واليابس وتسفك الدماء وتنتهك الأعراض وتسلب الأموال وانفلات أمني يجر الويلات والمصائب. المصيبة الكبرى هي أنه متى ما وقعت الفتنة يكون من الصعب درؤها ووأدها، لتكون كالنار في الهشيم تشتعل في كل مكان وتوغر الصدور ويغيب صوت العقل والحكمة ويسيطر الغضب والعصبية الجاهلية، وينسى الناس أن الله خلقهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويبحثوا عن المصالح المشتركة والمنافع التي لا تتحقق إلا بتعاونهم وتكاملهم، وأن النقاش وإدارة الاختلاف تقتضي الحكمة والموعظة الحسنة وإيجاد أوضاع تكون مربحة لجميع الأطراف وليس التفكير الجاهلي الضيق في أن الربح والنجاح لا يتحقق إلا بفشل وهزيمة الآخرين وخسرانهم فيكون الهم تسفيه آرائهم وتحقيرهم. نحن مدعوون كمجتمع إلى البحث عن نقاط الالتقاء والبعد كل البعد عن قضايا الخلاف، وهذا يحتم التخلي عن النظر للأمور من زاوية أيديولوجية صرفة (فكرية مذهبية) إلى نقاش مفتوح في الهواء الطلق تنبذ فيه جميع ما يعكر صفو الاجتماع ويعرقل الالتقاء ويفت في عضد الوطن ويفوت الفرصة للتطور والنماء والتقدم.
الوحدة الوطنية الجوهرة الثمينة التي تتوهج وتشع نورا بالتفافنا حولها دون استثناء ودون شرط أو قيد ودون مساومة أو مزايدة، ولاء تام لأننا نحن الوطن والوطن نحن. ليس هناك مجال للوسطية في حب الوطن أو التشيع لفكرة أو لمذهب يتصادم مع مصالح الوطن العليا، إما حب جارف وولاء تام وإلا فلا! وعندما يتوارى البعض وراء مصطلحات مطاطة غريبة مثل الاستطفاف الطائفي فيها استغباء للسامعين لأن حقيقة المذهب أي مذهب هو التفاف حول فكرة أو نهج أو مدرسة وتكوين أتباع يؤمنون بهذا الفكر أو النهج. هذا النوع من المصطلحات غطاء ليبدو في ظاهر الأمر وكأنه دعوة للتآلف والائتلاف ونبذ الطائفية، لكن الأمر يتطلب أكثر من ذلك، ولا يتوقف عند الدعوة لنبذ الطائفية شكلا، وإنما الأهم الإعلان الصريح الواضح الجلي بالولاء للوطن والمبادرة في اتخاذ موقف شجاع لا لبس فيه من القضايا الوطنية والشجب والتنديد لكل ما يتهدد أمنه واستقراره والوقوف في وجه من يتطاول على رموزه وثوابته ومقدراته ومكتسباته الوطنية كائنا من كان حتى ولو كان من ذات الفكر أو المذهب لأن الوطن فوق كل تلك الاعتبارات أو هكذا يفترض. إن السكوت والتزام الصمت عما يحاك للوطن والوقوف موقف المتفرج حيال النعيق الإعلامي والتصريحات المشبعة بدعوى الجاهلية والانتماء المذهبي المقيت خيانة للوطن وهو دليل دامغ على تقديم الولاءات الخارجية على المصلحة والوحدة الوطنية. ومن هنا يكون من الغريب العجيب أن تكون هناك دعوة لنبذ الطائفية ممن هم مرجعياتهم خارج حدود الوطن يأتمرون بأمرهم ويفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم حتى ولو كان على حساب الوطن. السكوت عن حق الوطن في سيادته ووحدته والولاء التام الصادق لولاة أمره هو في حقيقته عداء خفي أشد وطأة وأخطر على الوطن من العداء الصريح. من يسكت عن حق الوطن في سيادته ويلتزم الصمت في وقت يلزم الكلام ويحتجب فلا يقول معروف يدل على الرضا عن المنكر ويضع صاحبه في خانة الأعداء، فالساكت عن الحق شيطان أخرس. المشكلة إذا ليست في الاستطفاف المذهبي كما يدعي البعض وإنما في اتجاهه واحترامه للآخرين. فإذا كان هناك اجتماع على الخير والتعاون على البر والتقوى وفي الوقت ذاته احترام للآخرين بعدم التعدي عليهم بسبب أو شتم ودون تأجيج لثقافة الكراهية يكون عندها أي تجمع أمرا محمودا ولا يكون ذلك دعوة مذهبية مقيتة. الأمر الخطير عندما يكون المذهب يدعو أتباعه لتكفير ولعن الآخرين ولا يرتضون حتى كف أذاهم تطبيقا للمبدأ القرآني ''لكم دينكم ولي دين''. المعضلة تكمن في كيف يتم التوافق بين طرفين أحدهما يقوم فكره على نقض فكرة الطرف الآخر ولا أقول النقيض ليكون العداء مستحكما لا يقبل النقاش ولا التقارب. وهنا يكون الولاء للوطن عند أولئك الذين يضمرون الكراهية والعداء لمن سواهم أمرا يكاد يكون مستحيلا أو ولاء هشا تذروه الرياح، بل عند أية نسمة تغيير أو حدث تهب من هنا أو هناك! الولاء للوطن واجب على كل مواطن لا يقبل المساومة والمزايدة مهما كانت الأسباب، فالجميع ملزمون بتناول القضايا وطرحها داخل الإطار الوطني. مجتمعنا ليس ملائكيا يعتريه ما يعتري المجتمعات الأخرى من النقص والأخطاء، وتكون المهمة إذا في التوجه الإيجابي نحو تنميته وإصلاحه وسد الخلل بالتعاون والبذل والعطاء وتحقيق المصلحة الوطنية والحفاظ على وحدته. لا يمكن قبول استغلال قضايانا الداخلية والاصطياد في الماء العكر من أجل ممارسة الضغوط والتعامل مع الوطن وثوابته على أنها حالة وقتية تتطلب المهادنة بطرق ملتوية. الوطنية الحقة تتطلب التصريح بحب الوطن قولا وعملا والإسراع بالتخلص من كل ما يؤدي إلى الفتنة وإبداء المبادرة وحسن النوايا في شجب ثقافة السباب والشتام واللعان، دون ذلك سنظل نشتم من البعض، ذلك النفس الطائفي البغيض الذي لم نعهده من قبل والذي يتطلب القضاء عليه في مهده قبل أن يستفحل بأن يحظر بقانون عام أي نوع من السب أو الشتم على مستوى الأفراد أو المؤسسات والجمعيات. كما يجب استنطاق أولئك الذين يصمتون عن قول الحق حيال قضايا الوطن المفصلية، بينما يسارعون في الدفاع عمن يصرح بالعداء ويضمر الشر للوطن. لقد حان الوقت لأن نوقف هذا الصمت المزعج ونتبين من هم مع الوطن وقضاياه من أولئك الذين يعجزون حتى عن تحريك شفاههم وقول الحق وإثبات ولائهم للوطن قيادة وشعبا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي