بن برنانكي يجيب عن أكثر الأسئلة طرحا في أمريكا (1 من 4)
تعد أكثر الأسئلة طرحا في الولايات المتحدة أربعة أسئلة هي:
1. إلى أين يتجه الاقتصاد الأمريكي الآن؟
2. ماذا يفعل الاحتياطي الفيدرالي الآن لدعم الاقتصاد الأمريكي والنظام المالي به؟
3. هل ستؤدي إجراءات الاحتياطي الفيدرالي إلى ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة في المستقبل؟
4. كيف يمكننا تجنب حدوث أزمة مماثلة للأزمة الحالية في المستقبل؟
وقد تناول بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) الإجابة عن هذه الأسئلة على نحو مفصل ومهم جدا، وقد احتوت إجاباته على قضايا في غاية الخطورة والأهمية في الوقت ذاته، وهو ما يقتضي ضرورة إتاحة هذه الإجابات للقارئ وصانع السياسة النقدية العربي.
في إجابته عن السؤال الخاص بـ ''إلى أين يتجه الاقتصاد الأمريكي الآن؟'' قال برنانكي:
لقد شهد الاقتصاد الأمريكي بدء استعادة في النشاط الاقتصادي في الآونة الأخيرة، وهو ما يعكس في جزء منه تراجع بعض العوامل التي كانت تقيد نمو الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة السابقة. فعندما انهار الطلب الكلي والذي تسارع معدله في الجزء الأخير من عام 2008 حدثت زيادة مستويات المخزونات غير المباعة لدى الشركات الأمريكية من السلع غير المباعة، والذي بدوره أدى إلى خفض الإنتاج والتوظف بشكل كبير. ويتضح أثر هذه الظاهرة بصورة واضحة في صناعة السيارات، حيث واجه الكثير من صناع السيارات ضغوطا مالية شديدة، أدت إلى توقف الإنتاج في عديد من خطوط الإنتاج. وبحلول منتصف هذا العام، أدى السحب المتزايد من المخزون إلى خفض مستويات المخزون بصورة كافية لتشجيع الشركات في مجموعة واسعة من الصناعات لبدء زيادة الإنتاج مرة أخرى، ومن ثم المساهمة في الانفراج الأخير في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى الرغم من أن انخفاض المخزون قد عمل على تشجيع مستويات الإنتاج، إلا أن استدامة عملية استعادة النشاط الاقتصادي تتطلب استمرار النمو في المبيعات النهائية، ومن الأمور المشجعة أن هناك بعض الأدلة عن وجود طلب أقوى على المساكن والسلع الاستهلاكية والخدمات، ففي قطاع الإسكان أخذت مبيعات المنازل الجديدة في الارتفاع بشكل ملحوظ على مدى هذه السنة، كما تماسكت الأسعار قليلا، وفي الوقت نفسه، أخذ رصيد المنازل الجديدة غير المباع في التقلص. ونتيجة لهذه التطورات أخذ البناءون إلى حد ما في زيادة معدلات البناء، وهو تغير ملحوظ مقارنة بالتراجعات الحادة التي اتسمت بها السنوات القليلة الماضية. كذلك أخذ الإنفاق الاستهلاكي أيضا في الازدياد منذ منتصف العام، ويعكس جزء من هذه الزيادة الارتفاع المؤقت في مشتريات السيارات التي نتجت عن برنامج دعم عملية استبدال السيارات القديمة بسيارات جديدة ذات كفاءة أعلى في استخدام الوقود أو ما يطلق عليه برنامج cash for clunkers، ولكن الإنفاق في الفئات الأخرى من السلع الاستهلاكية قد تزايد أيضا. أما في قطاع الأعمال، فإن الإنفاق على المعدات والبرمجيات الجديدة يظهر قدرا من بوادر الاستقرار، كذلك فإن تحسن الظروف الاقتصادية في الخارج أدى إلى إنعاش الطلب على الصادرات الأمريكية. وعلى الرغم من أننا قد بدأنا نرى بعض التحسن في النشاط الاقتصادي، فلا يزال يتعين علينا أن نقطع شوطا طويلا قبل أن نتمكن من التأكد من أن الانتعاش سيستمر، كذلك فإن من القضايا المهمة التأكد مما إذا كان الانتعاش ستكون قويا بما يكفي لخلق عدد كبير من الوظائف، حيث ستكون هناك حاجة ماسة إلى خفض معدل البطالة. وتنبغي الإشارة إلى أن التوقعات الاقتصادية تخضع لقدر كبير من عدم التأكد، لكن برنانكي يعتقد أن هذه المرحلة ستشهد نموا اقتصاديا معقولا في العام المقبل، بما يكفي لخفض معدل البطالة، وربما بوتيرة أبطأ مما هو مطلوب. وهناك عدد من العوامل التي تدعم الرأي القائل بأن الانتعاش سيستمر في العام المقبل، والأهم من ذلك، فإن الأوضاع المالية ما زالت تتحسن؛ فالشركات تواجه صعوبات لا تذكر في جمع الأموال في أسواق السندات والأوراق المالية، كما أن أسعار الأسهم وقيم الأصول الأخرى تتعافى بشكل كبير من مستويات الانخفاض الكبير التي حدثت لها، إضافة إلى أن هناك مجموعة متنوعة من المؤشرات التي تشير إلى أن المخاوف من الانهيار النظامي للمؤسسات المالية قد انحسرت إلى حد كبير. حيث إن الولايات المتحدة تتبع الآن سياسات مالية ونقدية داعمة للاقتصاد.
من ناحية أخرى، فإن الاقتصاد يواجه بعض الرياح المعاكسة الهائلة التي يبدو أنها ستبقي وتيرة التوسع في النشاط الاقتصادي متواضعة. فعلى الرغم من التحسن العام في الأوضاع المالية في الاقتصاد الأمريكي، فما زالت مستويات الائتمان مقيدة بالنسبة لكثير من المقترضين، وخاصة المقترضين من البنوك والقطاع العائلي والشركات الصغيرة. كما أنه على الرغم من أن سوق العمل توقف عن التراجع بالوتيرة التي شهدناها في عام 2008 وأوائل هذا العام، إلا أنه لا يزال ضعيفا، ومن غير المتوقع أن يزداد إنفاق القطاع العائلي عندما يستمر شعور الأفراد بالقلق بشأن الأمان الوظيفي وأن الحصول على الائتمان ما زال محدودا بالنسبة لهم. أما بالنسبة للتضخم فإنه يتأثر بعدد من التيارات غير السلسة، فقد أسهمت المعدلات العالية من ضعف للموارد التي تسهم في تباطؤ النمو في الأجور واتجاهات الأسعار، وعلى المدى الأطول فإن توقعات التضخم تعد مستقرة، وقد ارتفعت أسعار السلع الأساسية في الآونة الأخيرة، وهو ما يعكس الارتفاع في النشاط الاقتصادي العالمي وانخفاض قيمة الدولار، وسيواصل الاحتياطي الفيدرالي مراقبة التضخم كثب، والذي من المرجح أنه سيظل منخفضا لبعض الوقت.