لجنة الفصل في المنازعات وقضايا تعويض المتضررين في السوق
قبل مدة كتبت مقالا هنا بعنوان (هيئة السوق المالية وعقوبة السجن) قدمت من خلاله سردا تاريخيا للعقوبات التي أعلنتها الهيئة منذ إنشائها تحت مسمى قرارات لجنة الفصل في المنازعات. وقولي ''إعلانات الهيئة تحت مسمى قرارات اللجنة'' يعود إلى وجود خلل جوهري في الاستقلال الظاهري للجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية فهي من منظومة الهيئة، كما أقر نظام السوق المالية ذلك في مادته (25)، حيث أشار إلى إنشاء لجنة للفصل في منازعات الأوراق المالية، تتكون من مستشارين قانونيين متخصصين يعينهم مجلس هيئة السوق المالية لفترة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، كما نصت المادة (59) أنه يحق للهيئة في عدد من الحالات إقامة دعوى أمام اللجنة لاستصدار قرار بالعقوبة المناسبة، ثم ضُرب الاستقلال في مقتله بالفقرة (ب) من المادة (25) والتي أقرت بأنه لا يجوز إيداع أي صحيفة دعوى أو شكوى لدى اللجنة ما لم يتم إيداعها أولا لدى الهيئة. ورغم التأثير الواضح للهيئة في تشكيل اللجنة وأعمالها بسبب الفقرة (ب) إلا أنها - أي الهيئة - ووفقا للنظام نفسه يحق لها رفع الدعوى والتقاضي أمام اللجنة التي سبق أن شكلتها، فهذا كله وبلا أدنى شك خدش في الاستقلال والذي - كما هي طبيعته – إن خدش مات. ومع كل هذا التأثير الخطير في استقلال لجنة الفصل في المنازعات إلا أن الهيئة تصر على إعلان القرار النهائي بنفسها مما يزيد الطين بلة وكنت أتمنى لو أن اللجنة بنفسها تولت إعلان القرار حتى يظهر لها بعض الاستقلال الشكلي ولو جزئيا.
المشكلة الأكثر تعقيدا الآن أن لجنة الفصل في المنازعات انحصر دورها في مجرد لجنة تحكم بين الهيئة (صاحبة الدعوى في كل الحالات حتى اليوم) والأطراف الأخرى (مدعى عليهم حتى الآن) فهي – كما أصبحت تبدو - لا تختص في النظر بالدعوى التي يمكن أن يرفعها شخص (طبيعي أو اعتباري) ضد شخص آخر (بخلاف الهيئة) ضمن نطاق اختصاص اللجنة كالمخالفات التي تمت داخل السوق من المدعى عليه وتضرر منها المدعي. فعلى الرغم من أن النظام في مادته (25) قد أقر أن اللجنة تختص بالفصل في المنازعات التي تقع ضمن نطاق أحكام نظام السوق المالية ولوائحها التنفيذية سواء في الحق العام أو الحق الخاص فلم يخصصها لأعمال الهيئة وادعائها فقط، إلا أن الهيئة تبدو وكأنها اختطفت اللجنة وعزلت المتداولين في السوق عنها. أقول ذلك لأن قرار لجنة الفصل في المنازعات الذي أعلنته الهيئة أخيرا قد تضمن نقلة نوعية مهمة جدا لكل المتضررين في السوق ومع ذلك فلا فائدة مرجوة من هذا التطور ما لم تفعِّل اللجنة جانب الحق الخاص.
لتوضيح الأمر سأعرض إعلان هيئة السوق المالية للقرار مرة أخرى فقد أعلنت الهيئة صدور قرار نهائي للجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية بتاريخ 12/1/1431هـ الموافق 29/12/2009م، وذلك في الدعوى المقامة من الهيئة على معيض بن رداد بن سعيد الزهراني ورداد بن سعيد بن رداد الزهراني، اللذين أدانهما منطوق القرار بمخالفة المادة (49) من نظام السوق المالية والمادتين (2) و(3) من لائحة سلوكيات السوق أثناء تداولهما أسهم الشركة الأهلية للتأمين التعاوني خلال الفترة من 1/1/2008م إلى 27/1/2008م ، إذ شكلت هذه التصرفات والممارسات تلاعباً واحتيالاً وأوجدت انطباعاً مضللاً وغير صحيح، وتضمن القرار إيقاع العقوبات الآتية عليهما:
1) فرض غرامة مالية على كل منهما قدرها 100 ألف ريال.
2) منعهما من العمل في الشركات التي تُتداول أسهمها في السوق مدة سنة واحدة .
3) إلزام كل منهما الامتناع عن تداول أسهم الشركات المدرجة في السوق مدة سنة واحدة.
فماذا اختلف هذا الإعلان عن سابقيه؟ أولا: حدد الإعلان أسماء المقامة عليه الدعوى، ثانيا: حدد نوع المخالفة وأكد الإعلان أنها مخالفات شكلت تلاعباً واحتيالاً وأوجدت انطباعاً مضللاً وغير صحيح، ثالثا (وهو مهم جدا): حدد اسم الشركة التي حدث في تداول أسهمها التلاعب، رابعا (وهو الأهم): حدد الفترة التي حدث فيها التلاعب وذلك بتاريخ منضبط (وهي المرة الأولى التي تعلنها الهيئة).
فما فائدة هذا كله؟ من خلال تتبع القضايا التي رفعتها هيئة السوق المالية على بعض المتداولين في السوق المالية ظهر أنها استردت منهم ما يزيد على 295 مليون ريال تشكل المكاسب غير الشرعية التي حصلوا عليها من غيرهم من المتداولين بغير وجه حق. هذه المبالغ ليست حق للهيئة بل للمتداولين فكيف يمكنهم استردادها؟ في جميع الإعلانات السابقة للهيئة (قبل الإعلان الأخير الذي أوردته) لم يكن باستطاعة أحد الادعاء أن هذه الأموال سرقت منه، لماذا؟ لأن الهيئة إما أنها لم تعلن اسم الشركة أو أنها لم تعلن وقت حدوث المخالفات، فكيف لمن تضرر معرفة ضرره وتقديم الحجة على ذلك؟ الإعلان الأخير مثالي فمن تضرر من التعاملات غير الشرعية التي قام بها المتلاعبون في الشركة المحددة في الإعلان، وفي خلال الفترة التي حددتها الهيئة بإمكانه الآن اللجوء إلى هيئة الفصل في المنازعات لطلب الحق الخاص. هذا هو التطور الحقيقي الذي حققه الإعلان الأخير ولكن ماذا عن إمكانية تنفيذ مثل هذا التطور. أعتقد أن وجود مكاتب محاماة لقضايا التعويضات مرخصة من الهيئة سيكون أكثر جدوى ويمكن المتداولين من متابعة قضياهم واسترداد أموالهم وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه وبطريقة تمنع الفوضى وتمكن الهيئة ولجنتها من إتمام مهامها بصورة جيدة وأيضا يرفع من مستوى الوعي القضائي في المجتمع.