هل اختفت الضغوط التضخمية؟
يشعر صناع القرار في المملكة بتفاؤل كبير لتراجع حدة الضغوط التضخمية في عام 2009م. فهل تمت السيطرة على التضخم ولم يعد مشكلة بالنسبة لاقتصاد المملكة؟ وهل نجحت سياسات مكافحة التضخم التي تبنتها المملكة؟ وللإجابة عن هذا التساؤل يجب أولاً تحديد مصادر التضخم وتحديد أثر السياسات التي اتخذت للسيطرة عليه. وقد شهدت المملكة ارتفاعا كبيراً في معدلات التضخم في عام 2008م. وقد كان الجزء الأكبر نحو 55 في المائة إلى 60 في المائة من التضخم في عام 2008 ناتجا عن عوامل خارجية أهمها موجة التضخم التي كانت تعصف في كثير من دول العالم والارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية والأولية الأخرى. كما أدى تراجع معدلات صرف الريال المرتبط بالدولار المتراجع قبل الأزمة المالية العالمية إلى المساهمة في رفع معدلات التضخم في المملكة. أما العوامل المحلية المتمثلة في ارتفاع الإنفاق الحكومي والتوسع النقدي والضغوط التي يعانيها القطاع العقاري فقد أدت إلى التسبب بنحو 40 في المائة إلى 45 في المائة من التضخم. ويمكن ملاحظة أن تراجع التضخم في عام 2009 حدث بعد الأزمة المالية العالمية والتي أدت إلى توقف المضاربات على المواد الأولية وتراجع الطلب عليها بسبب تراجع دخول الكثير من سكان العالم مما أدى إلى تراجع أسعارها. أما المصدر الخارجي الآخر للتضخم فقد كان تراجع سعر الدولار والذي تحسنت معدلات صرفه بعد الأزمة المالية العالمية مما أسهم في تحسن معدلات صرف الريال السعودي والذي أسهم في الحد من ارتفاع أسعار الكثير من المواد المستوردة من خارج الدول المستخدمة للدولار (سواءً التي تسعر أسعار منتجاتها بالدولار أو تثبت عملاتها مع الدولار الأمريكي).
ومما سبق يمكن الاستنتاج بأن تراجع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة في عام 2009م إلى نصف مستوياته في عام 2008م كان في الدرجة الأولى نتيجة لعوامل خارجية. ويظهر تأثير تراجع الضغوط التضخمية العالمية في الأسعار المحلية من تراجع معدلات نمو تكاليف الأغذية التي شهدت أسعارها تراجعاً في السبعة الأشهر الأولى من عام 2009م وما زالت أسعارها مستقرة إلى حدٍ كبير حتى الوقت الحالي.
وعلى الرغم من تراجع معدل التضخم في عام 2009م إلا أنه لا يزال فوق المعدلات التي تعود عليها المستهلكون خلال الـ 20 عاماً الماضية، كما أن كون معظم التضخم في عام 2009م عائداً لعوامل محلية لا يبعث على الارتياح. وتركز التضخم في الدرجة الأولى في مجموعة السكن مما يدعو إلى أخذ الحيطة من عودة معدلات التضخم إلى الارتفاع في هذا القطاع والتي ستدفع بمعدلات التضخم على الارتفاع في القطاعات كافة. وتوجد ضغوط سعرية في قطاع العقارات مما قد يولد المزيد من التضخم في تكاليف الإيجارات. وإضافة إلى ذلك توجد عوامل أخرى قد تضغط على الأسعار مستقبلاً. ومن أبرز تلك العوامل إمكانية حدوث نمو قوي في عرض النقود بسبب تدني تكاليف الاقتراض، والذي سيعزز طلب القطاع الخاص الكلي على السلع والخدمات. ولهذا لا بد من وجود استعداد كاف من قبل السلطات النقدية وتوقيت سليم للتصدي للتوسعات النقدية الرافعة للأسعار. فأي توسع نقدي يزيد على 10 في المائة من عرض النقود يمكن أن يكون بدايةً لتوسعات نقدية أكبر تضغط على الأسعار. ويمكن أن ينمو عرض النقود بقوة إذا عاودت معدلات إقراض المصارف الارتفاع بقوة كما حدث في السابق. وليس من المستبعد عودة أحجام الائتمان للنمو بقوة في ظل تراجع المخاوف من الأزمة المالية العالمية ومحاولة مؤسسة النقد العربي السعودي خفض معدلات وتكاليف الإقراض. من جهةٍ أخرى، قد يقود التوسع المالي الذي يأتي لتنشيط الاقتصاد الوطني إلى الضغط على الأسعار وخصوصاً إذا ارتفعت معدلاته بسرعة. وقد تشجع عودة أسعار النفط للارتفاع القطاع الحكومي على رفع معدلات الإنفاق بقوة مما سيولد ضغوطاً تضخمية في المستقبل تسهم مع العوامل الأخرى في عودة معدلات التضخم للارتفاع. ويضاف إلى تلك العوامل إمكانية تعرض الدولار إلى انخفاض ملموس في معدلات صرفة مقابل العملات الرئيسة الأخرى مما يضعف معدلات صرف الريال ويؤدي إلى رفع تكلفة الواردات ورفع أسعارها. ويمكن إجمالاً أن نقول إن التضخم تحت السيطرة في المرحلة الحالية، ولكن هناك عوامل قوية كامنة قد تقود إلى رفع مستوياته مستقبلاً. ولهذا ينبغي أخذ الحيطة عند تعزيز التوسع النقدي والمالي، حيث قد يقودان إلى عودة معدلات التضخم إلى الارتفاع. وتبذل في الوقت الحالي الكثير من الجهود للسيطرة على ارتفاع تكاليف السكن ولكن تأثيرها لا يزال محدوداً في الوقت الحالي. ولهذا ينبغي بذل المزيد من الجهود للسيطرة على ارتفاع تكاليف الإيجارات والتي قد تتسبب في دفع معدلات التضخم وبقوة. أما فيما يتعلق بسياسة ربط معدل صرف الريال بالدولار فستستمر على الرغم من فقدان الدولار لكثير من بريقه السابق وخصوصاً في المرحلة الحالية التي تجرى فيها مباحثات الوحدة النقدية بين دول مجلس التعاون. وسينعكس تراجع الدولار على كثير من أسعار السلع والخدمات المستوردة ويقود إلى ارتفاعها، ولن يتم التخلي عن سياسة ربط الريال بالدولار الأمريكي إلا إذا أجمعت دول مجلس التعاون الخليجي على استخدام وسائل أخرى أكثر استقلالية. وعلى العموم فمن المؤكد أن الضغوط التضخمية خفت بدرجة كبيرة في عام 2009م ولكنها لم تختف تماماً، ومن المؤكد أيضاً أن عوامل دفع الأسعار ما زالت موجودة وقد تعود وبقوة لترفع معدلات التضخم. ولهذا ينبغي الحذر ومراقبة تغير الأسعار والحد من الإفراط في السياسات المالية والنقدية.