الأداء الحكومي من الناتج إلى النتيجة
يقول الكاتب الإنجليزي الساخر برنارد شو واصفا النظام الرأسمالي بأنه مثل شعر رأسه (وكان أصلع): غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع، وهذا ينطبق في كثير من الأحيان على الإنفاق الحكومي حين يكون سخيا ولكن ليس على أساس من الأولويات والمعايير المهنية العالية. كثير من الخدمات العامة مثل التعليم والصحة التي تستحوذ على نسبة عالية من الميزانية العامة للدولة، ولكن دون أن يكون لها ذاك التأثير المنشود في التطوير والتنمية والرفاهية الحقيقية للمجتمع. ماذا يعني أن يكون لدينا عدد كبير من المستشفيات أو عدد كبير من المدارس أو عدد كبير من أي شيء إذا لم تكن تقدم خدمة مميزة وتستجيب للمتطلبات الحقيقية للمجتمع. ما جدوى التعليم إذا كنا نخرج مئات الآلاف من الطلاب لكن غير قادرين على الإنتاجية فكريا وعضليا؟ ما جدوى التعليم إذا كان التدريس يعتمد التلقين أسلوبا ومنهجا ليتخرج الطلاب دون قدرات على التحليل وفهم ما يدور من حولهم ودون مهارات للتواصل والاتصال الاجتماعي منزوعي الثقة بالنفس لا يستطيعون تكوين رأي ولا التحاور والنقاش في موضوعات جادة؟ إن أعداد المدارس والمعلمين والمناهج والكتب وكل الجهود لا تعني شيئا ولن تجدي نفعا وتذهب هباء منثورا، إذا لم نخرج أجيالا قادرة على الإسهام الحقيقي في التنمية اكتشافا واختراعا وإبداعا وإصرارا على البحث عن الأفضل، والأهم تهيئة البيئة العامة التي تشجع على ذلك كله. فالمسألة لا تتعلق بتطوير قدرات الأفراد وحسب وإنما إيجاد النظم الإدارية والاقتصادية والاجتماعية التي تستحث الجهود الجماعية والتكامل والتعاون وتكون بيئة صالحة لرعاية الموهوبين. فعملية التعلم لا تنحصر في المدارس والجامعات ولكن كل ما يؤدي إلى تغيير فكر وميول وسلوك الأفراد والجماعات، ولهذا ينظر للمجتمع كمدرسة كبيرة يتعلم فيها الناس ثقافة الإنتاجية ويتربون على قيم احترام الوقت والقانون والبذل والعطاء والولاء الحقيقي للوطن. وإذا لم تكن تلك القيم ظاهرة في المجتمع كان على المدارس تعليمها وفي الوقت ذاته تهيئة البيئة الاجتماعية لتطبيقها بتطوير النظم الإدارية في مكان العمل، وإلا ستكون هناك ثغرة بين النظرية والتطبيق وهذا ما لا يسعنا الاستمرار فيه، إذ يفرز ثقافة القول دون العمل ويعزز الأخذ بالشكليات دون الجوهر ليقف حجر عثرة أمام تحقيق تقدم ''نحو العالم الأول'' على حد تعبير الأمير خالد الفيصل.
طرح التعليم كمثال لأنه محور التنمية ومرتكزها الأساس ويتداخل في جميع نواحي حياة الأفراد وشؤون المجتمع، وإلا فإن الأمر لا يقتصر على قطاع التعليم، بل ينسحب على بقية الخدمات الحكومية بالتفكير الكمي المفرغ ذاته من المقاصد الحقيقية، وعمل روتيني يوحي بالإنتاجية لكن دون نتيجة وتأثير حقيقي، والحصيلة صناعة واقتصاد هش لا يمنحنا القدرة على التطور الاجتماعي ويؤهلنا لتبوء موقع متقدم بين الأمم ومقارعتها في ظل منافسة عالمية شرسة. لقد أصبحنا نصدق الأرقام والإحصائيات الشكلية البراقة التي هي من صنعنا لأنها تمنحنا شعورا وهميا بالإنتاجية والإنجاز تماما كسراب الصحراء يحسبه الظمآن ماء، لنلهث وراء هذا الإنجاز المزعوم والأماني الوردية والتخيلات الوهمية دون أن نصل إلى نتيجة. هذه الأرقام الكبيرة المنتفخة ظاهرها الإنتاجية والنمو والتطور لكن حقيقتها أننا ندور في المكان ذاته ولم نبرحه وكأنما هي شرنقة تلتف من حولنا لا تجعلنا نرى الأمور على حقيقتها. الكل يلهث موظفون ومراجعون داخل مكاتب فارهة في بنيات ضخمة وموارد مالية تنفق ذات اليمين وذات الشمال، ولكن التساؤلات الحقيقية الجوهرية تختفي متوارية وراء كل ذلك الضجيج والبهرجة: لماذا كل ذلك؟ وما الهدف؟ وما التأثير النهائي؟ أسئلة صعبة قد لا يملك أحد الإجابة عنها لأنها لم تخطر على البال وغابت عن الوعي، وإلا كيف يمكننا أن نفسر مع هذا الإنفاق السخي على جميع القطاعات الحكومية وما زلنا نعاني تدني مستوى الخدمات وعدم إسهامها في الانتقال بنا كمجتمع إلى مستويات أعلى من التحضر والتقدم الاقتصادي والقدرة على المنافسة العالمية. هذا في ظني معضلة التنمية الوطنية والسبب الرئيس وراء معظم مشكلاتنا الاجتماعية. أن التركيز على الجوانب الكمية والإحصائيات دون القياس النوعي ودون اعتبار للتأثيرات الحقيقية النهائية يجعل الأجهزة الحكومية في حل من المساءلة الحقيقية، فما يهم في الأمر هو تقديم الخدمة وحسب بغض النظر عن الجودة ودون الحاجة لتقديم مبررات تؤكد تحقيق التأثيرات الحقيقية الإيجابية على المجتمع. قياس الإنجاز يكون محدودا في دائرة المعايير البيروقراطية الإجرائية وليس ماذا عسى أن تحققه هذه الإجراءات. إنها اللحظة الحاسمة والاختبار الحقيقي لكل ما نقوم به، فهل مع جميع ما ننفقه من مال ونؤديه من عمل سيقود لنتيجة مرضية؟ أم تكون الخدمات قاصرة مخيبة للآمال تخذلنا وقت الشدة؟! القضية هنا ليس بالضرورة تخاذلا من أحد أو سوء نوايا، وإنما نهج إداري يرتكز إلى التنظيم البيروقراطي والمركزية الشديدة في عملية صنع القرار. هذا النهج أفرز ثقافة إدارية تهتم بالإجراءات الورقية الشكلية على حساب الإبداع والابتكار والتطوير النوعي. وفي هكذا بيئة إدارية لا يكون مستغربا أن تتنافس الأجهزة الحكومية على الحصول على أكبر قدر من الموارد المالية دون أن يرتبط ذلك بالأولويات الاجتماعية وبتقديم خدمات متميزة للعموم. إنه الإنجاز البيروقراطي الذي يستهدف الانتصار للجهاز الإداري وليس في كل الأحوال لتقديم خدمات متميزة لتكون الأرقام حاضرة بل محضرة لتزين الأداء الواهن.
هناك مثل شعبي يقول (ما لي إلا ولد يقرأ) تعبيرا عن الاهتمام بالنتيجة والهدف النهائي دون الرغبة في الخوض في حديث مطول عن الإجراءات، هذا المثل يصلح أن يكون شعارا ترفعه الأجهزة الإدارية الحكومية حين تضع أنظمتها وتؤدي مهامها لتحقيق النتائج بدلا من التغني بجهود العمل الروتيني المعقد وبالمخصصات المالية الضخمة! التحول من الاهتمام بالناتج إلى النتيجة يتطلب تحديد المسؤوليات، وهذا بدورة يطلب تفويض الصلاحيات ومنح الإدارات الإشرافية الفرصة في صناعة القرارات المتعلقة بمستواها الإداري وتبعا مطالبتها بالنتائج ومستو عال من الجودة وتحقيق رضا المستفيدين من الخدمة. هذا الوضع يخلق منافسة نحو الأفضل بين الإدارات الحكومية كما يمكننا كمجتمع من معرفة القيادات الإدارية المميزة ومنحها ثقة أكبر ومهام ومسؤوليات أكبر وأصعب وتوثيق التراكم المعرفي للتجارب الإبداعية الجسورة التي يخوضونها. تصوروا كيف سيكون وضع التعليم لو منح مديرو المدارس الصلاحيات الإدارية والمالية لتطوير العملية التعليمية في مدارسهم، وقس على ذلك جميع القطاعات الحكومية الأخرى. هكذا يقوى بناء الاقتصاد الوطني ويحدث التطور الاجتماعي المنشود ونتحرك إلى الأمام وليس الدوران في دائرة مفرغة نسمع جعجعة ولا نرى طحنا.