تقرير ديوان المراقبة العامة - ماذا بعد؟
كعادة سنوية ألقى معالي رئيس ديوان المراقبة العامة كلمة أمام مقام خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - بمناسبة تقديم التقرير السنوي لنتائج المراجعة المالية للسجلات المحاسبية والمستندات والعقود والحسابات الختامية والميزانيات العمومية لعديد من الأجهزة الحكومية والمؤسسات، والشركات العامة وذلك عن السنة المالية 1428/ 1429هـ. لكن الكلمة اختلفت نوعا ما عن الكلمة التي ألقاها معاليه السنة الماضية وفي نفس المقام والمناسبة ففي السنة الماضية ركزت كلمة معالي رئيس الديوان على حجم المخالفات التي تم كشفها، حيث بلغت 350 مليونا كما تطرق إلى جهود الديوان في استردادها واسترداد مبالغ أخرى من سنوات سابقة. لكن في هذا العام استعرضت الكلمة تقويما للديوان عن مخالفات المؤسسات الحكومية لأنظمة الرقابة الداخلية، فما الفرق؟
بداية أؤكد أن هذه التعليقات هي على كلمة معالي رئيس ديوان المراقبة العامة، التي لخصت لنا التقرير لأن هناك صعوبات في الحصول على التقرير نفسه. فمن هذا المنطلق أكدت في تعليقات سابقة أن تقرير ديوان المراقبة للسنة الماضية كان يشير إلى مبالغ بسيطة مقارنة بحجم الميزانية العامة للدولة، التي اقتربت من تريليون ريال وناقشت في ذلك الوقت مفهوم الأهمية النسبية لتلك المبالغ، التي - إذا لم يتم وضعها في إطار الرقابة الداخلية والمستوى الإداري الذي تمت فيه المخالفة – تحدد لنا مستوى الخطر في تلك المخالفات. وفي مقالات أخرى قلت إنه يجب على الديوان تطوير رؤيته لمفهوم المراجعة التي يقوم بها فهو لا يؤدي دور المراجع الخارجي، ويجب أن يعكس تقريره تلك الشمولية المطلوبة. في هذا العام جاء تقرير الديوان ليناقش نتائج مراجعة أعمال السنة المالية قبل الماضية بعيدا عن أي أرقام بل مجرد رأي عام حول أبرز المخالفات - نوعيا - وذلك في سبع نقاط جميعها يمكن تلخيصها في نقطة واحدة – ماعدا النقطة السابعة منها – وهي ضعف نظام الرقابة الداخلية في القطاع العام فصرف مبلغ دون وجه حق وتأخير تنفيذ المشاريع وعدم التقيد بالأنظمة المالية والتعليمات وعدم التعاون مع الديوان، كلها مواضيع تتعلق بضعف واضح في نظام الرقابة الداخلية للنظام الحكومي. وفي عبارة أشبه برأي الديوان أشارت الكلمة إلى ''وجوب التوقف عن صرف ما تم الالتزام به دون سند نظامي، والتقيد بالأنظمة وبقواعد تنفيذ الميزانية العامة للدولة وتطبيق إجراءات تحصيل مستحقات الخزانة العامة بدقة وحزم، والمسارعة إلى تفعيل قرار مجلس الوزراء القاضي بإنشاء وحدات المراجعة الداخلية في كل جهاز حكومي، بهدف توفير مقومات الرقابة الوقائية، وترسيخ مبادئ الشفافية والإفصاح ومعالجة مواطن الخلل في حينها ومساءلة المقصرين وتكريم المجيدين'' - انتهى الرأي. وفي رأيي أن هذا التقرير يشير إلى تقدم حقيقي في أعمال الديوان وفي رؤيته لمسؤولياته فلم تعد القضية قضية أخطاء يجب البحث عنها ومبالغ يجب استردادها بل قضية نظام للرقابة يجب فهمه وتقييمه ومن ثم تقدير مخاطر وجود مخالفات فهل نقول إن ديوان المراقبة العامة بدأ يأخذ بمفهوم المراجعة على أساس تقييم المخاطر؟ الحقيقة أنه أمر مبالغ فيه لو قلنا بتحول الديوان إلى مثل هذا المستوى المتقدم من المراجعة، الذي يحتاج إلى تدريب شاق ومهارات أشك في أنها متوافرة لدى الديوان الآن. فإذا كانت هذه هي الحال فماذا قدم لنا الديوان؟ بعبارة أخرى من منا اليوم لا يعرف جميع النقاط السبع التي ذكرها الديوان، سواء المتخصصين أو رجل الشارع العادي؟ من منا لا يعرف أن هناك مبالغ تصرف دون وجه حق ومن منا لا يعرف أن هناك تأخيرا في تنفيذ المشاريع وعدم التقيد بالأنظمة المالية والتعليمات وكل من يعمل في القطاعين العام والخاص أصبح يعرف أن لا أحد يرغب في التعاون مع الديوان؟ أقول إذا كنا نعرف ذلك بل هناك من يعرف أكثر فما دور الديوان إذا؟ إن تقرير الديوان يشبه قول الشاعر كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء. كان بودي لو أن الديوان وقد قفز إلى مهمة تقييم نظم الرقابة أن يخبرنا عند أي مستوى إداري يتم التجاوز. إن خطر تجاوز نظام الرقابة من قبل موظفين على مستويات إدارية متوسطة أو أقل يعتبر هامشيا تقريبا لأمرين معا. الأول، إن هذه التجاوزات إن حدثت فإن النظام القائم فعلا قادر على اكتشافها ومعاقبة مرتكبها. والآخر أن مبالغ هذه التجاوزات إن هي حدثت تكاد لا تذكر مقارنة بحجم الميزانية. لكن الخطر الأكبر في فشل نظام الرقابة هو في تورط المستويات الإدارية العليا في المصالح والمؤسسات الحكومية في مثل هذه التجاوزات وذلك لثلاثة أمور. الأول، أن لدى التنفيذيين في هذه المستويات الإدارية العليا القدرة على تجاوز النظام بل تعطيله إذا لزم الأمر، الثاني، أن مبالغ هذه التجاوزات دائما كبيرة وذات أهمية نسبية عالية جدا، والثالث، أن احتمالية حدوث ذلك كبيرة أيضا. ولذلك فإن تأكيد الديوان أهمية المراجعة الداخلية يحتاج إلى دعم من خلال توضيح مستوى التجاوز فإذا كانت مستويات التجاوز عالية فلا معنى للمراجعة الداخلية لأنها تابعة للمستويات الإدارية التي تقوم بالتجاوز، كما أن المراجعة الداخلية جزء من نظام المراقبة الداخلية الذي يستطيع المدير إيقافه وقتما يشاء. ومن جانب المراقبة الوقائية فإنها تهدف أساسا إلى منع وكشف الأخطاء غير المقصودة، أما الغش الذي يشمل التآمر فمن الصعب على الرقابة الوقائية تجنبه وهذا النوع من الغش هو لب مشكلة الفساد اليوم. لازلت أقول إن مشكلة الديوان أنه يتعامل مع كل القضايا بالأهمية نفسها ويغرق في تفاصيل قد لا تهم أحدا بينما ينشغل عن كشف وفضح تلك العمليات التي تنطوي على احتيال وغش جوهري يؤثر في سلامة أعمال الجهاز الحكومي.
إن خطورة التعميم في نتائج التقييمات التي قفز إليها تقرير الديوان دون تفصيلات وافية عن مستويات الخطر تشير إلى أن النظام بأكمله معرض للتجاوز والمخالفة، وفي حالات كهذه يعرف الجميع أنه لا يمكن الوثوق بسلامة النتائج المالية، التي صرحت بها وزارة المالية .