كارثة جدة .. اختبار للشفافية والنزاهة!

أصدرت الحكومة السعودية على مدى تاريخها المديد مجموعة من الأنظمة التي تعنى بمكافحة الفساد الإداري والمالي، ونذكر منها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ نظام مكافحة التستر التجاري، نظام مكافحة غسل الأموال، نظام مكافحة التزوير، نظام مكافحة جرائم المعلوماتية، نظام مكافحة الرشوة، نظام الإجراءات الجزائية، ونظام مكافحة الغش التجاري. وأخيراً من أجل تفعيل هذه الأنظمة أقر مجلس الوزراء الموقر في عام 2009 الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد، وكان هدف المجلس الموقر هو مكافحة الفساد بفعالية أكبر وتحقيق العدالة بين أفراد المجتمع، وردم التفاوت بين الطبقات، وتحقيق التوازن بين مستويات أفراد المجتمع السعودي. ولا شك أن هذا الحشد من الأنظمة يؤكد أن الدولة جادة وتدرك أن الفساد الإداري سرطان لعين يخل بأداء الإدارة ويعشعش في أوصالها حتى يفسد كل مشاريع التنمية.
وهذا هو ما أشار إليه الأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، حينما أمر بتشكيل لجنة تقصي الحقائق لتحديد المتسببين في كارثة شرق مدينة جدة، لقد قال الملك عبد الله في بيانه البليغ: لماذا تصمد المشاريع في دول تأتيها الأمطار والعواصف يومياً ولا تصمد مشاريع البني التحتية في جدة، ولذلك أمر حفظه الله بالتحقيق وتوعد كل من يتلاعب بمقدرات المواطن السعودي بالعقاب والردع.
إن أنظمة مكافحة الفساد المشار إليها آنفاً أعطت الدولة حق تطبيق مبادئ الحوكمة ومساءلة أي مواطن تحوم حوله شبهة الكسب غير المشروع والثراء المفاجئ وغير المبرر.
والواقع أن الفساد الذي نسمع عنه في بعض المؤسسات الحكومية وألحق بمشاريعها أضراراً بالغة وآخرها كارثة شرق مدينة جدة.. سببه غياب هذه الأنظمة عن التطبيق، ولو طبقت هذه الأنظمة منذ ذلك التاريخ، أي منذ نصف قرن لأصبحت لدينا إدارة قوية تحكم قبضتها على مجريات الأمور وكان بمقدورها أن تمنع المخططات في مجارى السيول، وكان بمقدورها أن تنفذ مشاريع المياه والصرف الصحي ومصارف السيول بدرجة عالية من السرعة والجودة والإتقان، أمَا وأن الأنظمة قد غابت عن التطبيق، فإن الشفافية والنزاهة قد غابت معها وأن الفساد حل وانتشر في كثير من المؤسسات الحكومية وأن المشاريع التي يتم تنفيذها تفتقد السرعة والجودة والمتانة. إن الأموال التي صرفتها الدولة لتنفيذ برامج ومشاريع ثماني خطط تنموية على مدى 40 عاماً تكفي لبناء حضارة كاملة على أرض الجزيرة العربية، ولو تكاتفت الدولة والمجتمع لتفعيل أنظمة الشفافية والنزاهة منذ نصف قرن ونيف لأصبحنا الآن في عداد الدول المتقدمة.
أجزم بأن 50 عاماً كافية للوصول إلى مصاف الدول المتقدمة، فهذه كوريا الجنوبية في 40 عاماً فقط أصبحت في عداد الدول المتقدمة تنافس كبريات الدول الغربية المتقدمة وتقدمت، بل إن كوريا تتقدم على معظم دول أوروبا، أمّا الصين والهند والبرازيل وماليزيا ففي 20 عاماً أصبحت دولاً من الدول الناشئة، وهذه تركيا في عشر سنوات قلبت معدل الناتج القومي المحلي من رقم ضئيل يلتصق بالأرض إلى رقم يتسلق الأعلى ويقف قبالة 9 في المائة بكل إباء وكبرياء. ومن المفارقات العجيبة أن صناعة الإنسان المهني الكوري يكلف الحكومة الكورية مبالغ قليلة، بينما صناعة الإنسان المهني السعودي يكلف الحكومة السعودية أضعافا مضاعفة، ومع ذلك فإن إنتاجية السعودي أقل بكثير من إنتاجية الكوري.
إذن، لماذا نحن نصرف أموالاً أكثر مما يصرف الآخرون لبناء الإنسان، ثم نقف - للأسف - خلف هذه الدول التي ذكرت؟
الجواب على هذا السؤال الخطير هو أن هذه الدول تحاصر الفساد والمفسدين وتنتج بجودة أعلى وإدارتها فاعلة أكثر، والدليل أننا إذا استعرضنا مشاريع البنى التحتية في كوريا الجنوبية نجد أنها تتمتع بالمتانة والقوة، بينما نحن صرفنا مليارات الريالات على مشروع للصرف الصحي في مدينة جدة مثلاً، ولكن هذا المشروع لا يزال غائباً عن الوجود حتى هذه اللحظة، أموال غزيرة تصرف ونصف قرن يمر وما زالت جدة دون مجار!
هَبْ أننا نقارن بين التعليم الفني والأساسي في كوريا الجنوبية مثلاً والتعليم الفني والأساسي في المملكة، فإننا نجد أن التعليم الفني في كوريا يدفع الاقتصاد الكوري إلى مصاف الدول المتقدمة، بينما التعليم الفني ـ بعد 50 عاماً من إنشائه في المملكة ـ لا يزال غائباً عن الوجود تماماً رغم أنه كلف الحكومات السعودية مليارات الدولارات ولكن ـ للأسف ـ دون عائد، وإذا استعرضنا الجامعات في كوريا نجد أن الجامعات الكورية أصبحت تنافس على المراكز الأولى، بينما الجامعات السعودية خارج نطاق الـ 500 جامعة وفقاً لتقديرات جامعة شانغهاي.
إن القوى العاملة التي تحملت مسؤولية تنفيذ مشاريع التنمية في كوريا الجنوبية هم المواطنون الكوريون الذين اكتسبوا الخبرات وعلّوا القدرات وعادوا بمواردهم البشرية والمالية على الاقتصاد الكوري بالفائدة، بينما في المملكة الذين ينفذون مشاريع التنمية هي القوى البشرية المستقدمة من الهند والفلبين وبنجلادش وباكستان والفلبين ومصر وسورية، ولذلك فإن المستفيد من العمل في السعودية ليس الاقتصاد السعودي فقط، وإنما الاقتصادات الهندية والفلبينية والبنجلادشية والباكستانية والمصرية والسورية، وتسجل الحوالات البنكية شهرياً مليارات الدولارات التي تسحب من موارد الاقتصاد السعودي وتحول إلى كل هذه الدول.
والمفروض أن يستفيد الاقتصاد السعودي من المشاريع التي تنفذ على أرضه، أمّا أن يذهب جزء كبير من الموارد المالية إلى اقتصادات دول أخرى فهذا هو الذي جعل مشاريع التنمية تتم وكأنها في العالم الآخر.
إن الفيصل في عمليات النمو والتنمية بين دولة أدركت التقدم، ودولة تكافح من أجل أن تدرك التقدم هو الإدارة الخالية من أمراض الفساد، لأن الفساد الإداري والمالي هو ''السوس'' الذي ينخر في أوصال مشاريع التنمية، ويقدمها ضعيفة وهزيلة لا تتحمل ''شوية'' سيول وأمطار!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي