رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حرية التصدير حق من حقوق المنتجين

تبذل دول العالم جهوداً حثيثة لتشجيع عمليات التصدير ورفع قيمها إلى أعلى المستويات الممكنة. وتتركز سياسات تشجيع التصدير في تسهيل إجراءاتها الإدارية ومنح الامتيازات والمعاملة التفضيلية من خلال الإعفاءات الضريبية، وتوفير التسهيلات الائتمانية للمستوردين والمصدرين، ودعم الأبحاث العلمية واستخدام الحماية الجمركية والقيود الكمية في حالة الصناعات الناشئة، والدعم المباشر للإنتاج الوطني، ومنع الاستيراد أحياناً. وقد حدت اتفاقيات التجارة متعددة الأطراف من استخدام الدعم المباشر وغير المباشر للصادرات والإنتاج المحلي من السلع والخدمات وذلك لرفع مستويات المنافسة وتشجيع التجارة العالمية ورفع مستوياتها وتسهيل تدفق رؤوس الأموال عبر دول العالم.
ودعم الصادرات مبرر من وجهة النظر الاقتصادية إذا كانت العوائد من الصادرات تفوق حجم الدعومات المقدمة. ويهدف دعم الصادرات أو منح الامتيازات للصناعات الوطنية إلى رفع الناتج المحلي لهذه الصناعات ورفع مستويات التوظيف فيها ومساعدتها على النمو والتوسع. وقد تنبهت دول العالم إلى تأثير الدعم في مستويات الصادرات، حيث قاد دعم الصادرات في عدد من دول العالم إلى تأثيرات سلبية أضرت باقتصاديات بعض الدول المستوردة وأحدثت أضرار بالغة بصناعاتها المحلية. وللحد من آثار دعم الصادرات على صناعات الدول المستوردة منعت اتفاقيات منظمة التجارة العالمية الدعم المباشر الموجه للصادرات، كما حدت كثيراً من الدعومات غير المباشرة وخصوصاً الموجهة إلى صناعات أو قطاعات اقتصادية معينة. وتشجع المملكة الصادرات الوطنية بطيف واسع من الوسائل المسموحة في إطار الاتفاقيات متعددة الأطراف (أنظمة منظمة التجارة العالمية). وسمحت اتفاقيات التجارة متعددة الأطراف ببعض أنواع الدعم والتي من أهمها الإعفاءات الضريبية على الصادرات والتي تسمح باسترجاع جميع الضرائب المفروضة على الصادرات لتمكينها من المنافسة في الأسواق العالمية.
وأوردت صحيفة ''الاقتصادية'' في عددها الصادر يوم الثلاثاء 28/12/1430هـ خبراً مفاده موافقة مجلس الشورى على منع تصدير المنتجات المستفيدة من دعم القمح. وقد رفض مجلس الشورى مطالبة بعض الأعضاء إعادة النظر في توصية سابقة تمنع تصدير منتجات القمح والدقيق المدعوم والتي اقترحتها لجنة المياه والمرافق. وفي حالة موافقة الجهات التنفيذية على التوصية فسيتم منع تصدير الصناعات المستفيدة من دعم الدقيق.
ومع أن قرار منع التصدير يهدف على ما يبدو إلى وقف تصدير الدعم إلى الخارج والحد من تكاليف دعم القمح، إلا أنه سيحرم الصناعات المستخدمة للدقيق من التصدير ويغلق أمامها فرص الوصول إلى الأسواق الخارجية. ومنع التصدير سيؤدي إلى تأثيرات سلبية في هذه الشركات ويخفض من إنتاجها والذي سيقود بدوره إلى تراجع إيراداتها ويلحق الضرر بهذه وبالصناعات والخدمات والعمالة المرتبطة بها. ومهما كان حجم الضرر من المنع بسيطاً، فأعتقد أنه غير عملي ولا منطقي ويجانب الصواب، حيث إن منع التصدير كلياً سياسة سيئة تضر بالمنتجين بوجه غير حق وتتضمن ظلماً لهم. فمن حق المنتجين (وكذلك العاملين في تلك الصناعات والذين يستفيدون من توسع الإنتاج) للسلع والخدمات الوصول إلى الأسواق الخارجية. وتفتح حرية الوصول إلى الأسواق أمام المنتجين مجالاً غير محدود لرفع انتاجهم وتعظيم أرباحهم. وما من صناعة في العالم إلا وتطمع بأن تصل منتجاتها إلى جميع أصقاع الأرض، كما أن استهداف الأسواق العالمية يدفع المنتجين المحليين إلى المزيد من المنافسة مع المنتجين العالميين مما يحسن من نوعية السلع والخدمات المنتجة ويرفع دخول ملاك وعمالة الصناعات المصدرة. وهذه ليست المرة الأولى التي يتم منع الصناعات الوطنية من التصدير، فقد اتخذت عدة قرارات لمنع الصادرات لعل من أبرزها قرارات منع تصدير الأسمنت والحديد والزيوت المعاد تصنيعها. ومع استفادة المستهلكين من قرارات المنع بسبب دفع المصانع المحلية لتسويق إنتاجها في الأسواق المحلية وتراجع أسعار هذه السلع، إلا أن ارتفاع الطاقة المعطلة لدى الصناعات المحلية الممنوعة من تصدير منتجاتها يقود إلى تراجع الاستثمارات في هذه الصناعات على الأمد الطويل وإلى خسارة هذه الصناعات للأسواق الخارجية، وتدني ربحيتها. وقد يؤدي - لا سمح الله - إلى خسارة هذه الصناعات وتوقفها عن الإنتاج، مما يمثل خسارة للاقتصاد الوطني.
صحيح أن هناك دعم القمح يصل إلى هذه الصناعات بصورة غير مباشرة ولكن مستوياته محدودة في كثير منها. فنسبة الدعم في عدد من الصناعات المستفيدة من دعم القمح في تصوري تمثل نسبة محدودة من القيمة الكلية للسلع المصدرة. فكيف يتم منع تصدير سلع أو خدمات تشكل المدخلات غير المدعومة جل قيمتها المضافة وذلك بذريعة احتوائها على مدخلات لا تتعدى قيمتها مثلاً 10 في المائة من قيمة السلعة النهائية. ومع أن قرار منع التصدير يحاول الحد من تكاليف الدعم ومنع تسرب السلع المدعومة إلا أنه يخدم في الدرجة الأولى المنتجين المنافسين في الأسواق المستوردة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال التغاضي عن تسرب السلع المدعومة إلى الخارج، ولكن ينبغي توخي الحذر في حالة تصدير منتجات مصنعة من هذه السلع. فالصناعات المستخدمة للسلع المدعومة تضيف قيمة لهذه السلع تتجاوز في كثير من الأحيان قيمة الدعم بعدة مرات. وبدلاً من سياسة منع التصدير التي تلجأ إليها الجهات المشرفة على التجارة الخارجية في كثير من الأحيان يمكن للجهات التنفيذية السماح بتصدير السلع المدعومة واسترجاع الدعم المقدم كافة. ويتم هذا بيسر وسهولة عن طريق فرض ضريبة على الصادرات التي تحتوي سلع مدعومة، حيث تساوي الضريبة قيمة الدعم المقدم. وفرض ضريبة أو رسم جمركي على الصادرات المدعومة يسمح لهذه الصادرات بالمنافسة في الأسواق العالمية على أسس عادلة ومتوافقة مع أنظمة التجارة العالمية، وفي الوقت نفسه يتم استرجاع الدعم المقدم. وبهذا تستفيد البلاد والعباد من نمو الناتج المحلي وتعود أموال الدعم للدولة. ويمكن ببساطة تقدير الدعم من خلال تحديد نسب وقيم السلع والخدمات المدعومة الداخلة في إنتاجها، ولكن يبدو – وللأسف - أن بعض الجهات تفضل قرارات المنع لإراحة بالها بدلاً من تبني سياسات سليمة تتطلب جهداً من تلك الجهات. ومن المستغرب أن يدعم مجلس الشورى قرارات منع الصادرات أو يدعمها مع أنه يضم خبرات وقدرات علمية متميزة. والمعروف أن الأبجديات المنطقية والاقتصادية لا تقر بسياسات منع الصادرات إلا في ظل الظروف الطارئة والحرجة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي