رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رضيعٌ عُمْرُه ‹25› سنة!!

يُفطم الرضيع شرعاً بعد حولين كاملين، ذلك لينهى مرحلة الاعتماد الكلى على لبن الأم كطعام وشراب، وقد يعانى الطفل نتيجة فراقه عن صدر أمه، ولكن لا فكاك من الفطام، كي يتعلم الولد كيف يأكل مما تخرجه الأرض.. ليتعلم كيف يلتقط طعامه بيديه ويرسله إلى فيه.. ليتعلم في مراحل تالية كيف يأكل دون مساعدة من أحد.. ثم ليتعلم في مراحل القوة كيف يقدر على كسب قوته ليأكل، و يحقق ذاته، ويؤدى دوره في الحياة.

لكن شرائح كثيرة من مجتمعاتنا تسبح ضد سُنة الله في خلقه فتمدد عمر الرضاعة لدى الأولاد إلى خمس وعشرين سنة، ليس عن طريق الاتصال المباشر بصدر الأم، ولكن بأساليب أخرى، تعكس رغبة دفينة في أن يظل الولد كائناً هالوكياً يعتمد على أبويه مأكلاً ومشرباً وملبساً ومسكناً حتى يبلغ ربع قرن، متعللين بحجج - مُضحكة وسطحية - تفضح حالة الجهل بقوانين وسنن الحياة.. مثل: الولد ما زال صغيراً.. الولد ما زال ضعيفاً.. الولد ما زال يدرس.. الولد ليس فقيراً لكي يعمل.. الولد هو الوحيد ونخاف عليه.. وهكذا.

فيما مضى - ويا ليت ما مضى ما انقضى - كان للأبوين فلسفة في التربية - اتفقا عليها مقالاً وحالاً - تتلخص في تعويد الولد على العمل والكسب - في شهور الاجازة – ليس من أجل المال فقط، ولكن من أجل بناء شخصيته وإرادته، وربما امتعض الأولاد من تلك الطريقة لظنهم أنها قسوة أو أنها حرمان، ولكن بمرور الوقت تنجلي أمام أعينهم حكمة الأبوين حين دفعوا بهم في معترك الحياة، ليعلموا أنها ليست ملكاً لفرد، إنما هي شراكة وتفاعل وتعامل، ومن ثم مقدرة على الكسب والعيش والتعايش.

وبمرور الأيام تبدل الحال غير الحال، وحلت أفكار مكان أفكار، لتتغير المفاهيم وتنبع من بين ثنايا النعيم أذناب التدليل، التي أفسدت بقدر ما أفرطت، ودمرت بقدر ما بالغت، حتى جاء الوقت لنرى جيلاً مترفاً، مثقلاً بالنرجسية وحب الذات ووهن الإرادة، لا يعبأ لشيء ولا يهتم لشيء سوى بنفسه وما تشتهى!!.

ولى في النهاية قصة واقعية أرجو أن يصل مغزاها إلى الجميع.. لي صديق عزيز، وزميل دراسة، بل ورفيق مقعد دراسي واحد من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، بل وتخرجنا معاً في كلية واحدة.. صديقي كان وحيد أبويه، وعليه يخافا من النسيم الطائر.. المهم في جلسة من جلساتنا الكثيرة عرضت عليه أن نجهز أوراقنا لنبحث عن عمل نجد فيه أنفسنا بعيداً عن قيود العائلة.. قال بعد هنيهة ليس عندي مانع على أن نكون معاً، وبشرط أن أحصل على موافقة الوالدين.. قلت له سوف أساعدك في انتزاع الموافقة، والله معنا خير معين.. ظللت وصديقي نمهد للأمر طيلة شهر، ثم عرضنا الفكرة، فواجه العبد الفقير إلى ربه هجوماً على طريق البر والبحر والجو، حيث علم الأبوان أن الفكرة جاءت من عندي، وأنى من يريد انتزاع الوحيد من بين أبويه لألقى به في معمعة الحياة، وأنى لا أقدر حبهما وخوفهما عليه.. وأنى.. وأنى.. وأنى..!!

والحقيقة أنى واجهت العواصف السابقة لا بمهارة منى، ولكن لأن الله أراد من وراء ذلك شيئاً جميلاً.. بعد فترة لان جانب الأبوين، ومضينا نجهز الأوراق لنسافر بها إلى مكان نجد فيه فرصة عمل مناسبة، وشاءت الأقدار أن يسافر صديقي وحده. ويشاء الله أن يتزوج خلال تلك الفترة وينجب أربعة ذكور من أجمل الأولاد الذين رأيتهم في حياتي.. وبفضل الله قاد صديقي العزيز حياته وحياة أسرته وأبويه نحو الأفضل، لأنه كسر القوقعة وتخلص من الشرنقة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي