رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الرقابة البيروقراطية .. لا تكفي ..!

من يراقب البيروقراطية؟ هذا هو جوهر القضية التي نحن بصددها، ونحن نناقش نظامنا الإداري ونحلل مسار عملية صنع القرار العام بعد كارثة أربعاء جدة وتبعاتها الخطيرة. وقد أشرت في مقال سابق إلى أن أصل المشكلة يعود للفساد الإداري الذي يفضي إلى الفساد المالي، وأن ذلك نتيجة حتمية للمركزية الشديدة والتعقيدات البيروقراطية، مع ضعف الرقابة الاجتماعية بسبب ضعف صلاحيات مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية. وعلى الرغم من أن التنظيم البيروقراطي في أساسه يهدف إلى تحقيق الكفاءة والفاعلية والرقابة عبر تسلسل هرمي لصناعة القرار من أعلى إلى أسفل وتقسيم للعمل وتطبيق للإجراءات الروتينية، إلا أن ذلك يتحول مع مرور الوقت إلى إفرازات سلبية تتمثل في الجمود والتحوصل وسلب المستويات الإدارية الأدنى القدرة على الإبداع وتحمل المسؤولية. ولذا تتطلب هذه البيروقراطيات المراقبة والتوجيه لضمان تحقيقها الأهداف التي أنشئت من أجلها بكفاءة وفاعلية، وألا تكون مدعاة للفساد الإداري المؤسسي الخفي. من هنا فإن الحديث عن الفساد الإداري لا يلزم أن يكون محصورا في الفساد الأخلاقي وتعمد الإفساد ورصد وترصد للحالات الفردية الشاذة، وإن كانت كثيرة ومدمرة، بل أذهب إلى أبعد من ذلك للقول إن الفساد الإداري البيروقراطي قد تقع فيه قيادات إدارية خيرة وصالحة (من دون إدراك)، تحركها النوايا الطيبة لكن بفكر إداري ضيق خال من الإبداع والابتكار والبحث عن حلول جديدة، ودون أهداف استراتيجية وأغراض محددة لما ينبغي عمله وتحديد النتائج المتوخاة والتأثيرات المطلوبة. ولربما تأخرت المشاريع ولم تنفذ في وقتها بسبب المبالغة في التدقيق والإغراق في الإجراءات الروتينية البيروقراطية دون ربطها بالنتائج، والتردد والتخوف من اتخاذ القرار، ولم لا! وقياس الأداء يعتمد على مدى الالتزام بالإجراءات الورقية وليس بالنتائج والتأثيرات الفعلية الحقيقية التي تعالج وتضع حلولا ناجعة لقضايا المجتمع، بل إن التركيز غالبا ما يكون على جانب المخصصات المالية دون ربطها بالمخرجات النهائية، وقد تكون مشاريع الصرف الصحي وتصريف السيول في مدينة جدة مثالا حيا لذلك. ولذا لم يكن مستغربا أن ينعت ذلك الإداري المنشغل أو المتشاغل بالأعمال الروتينية بالنشاط والكفاءة والفاعلية فقط كونه يقضي ساعات طوالا في توقيع خطابات ومعاملات إدارية لا تقدم وتؤخر، بل أكاد أجزم بأنه في كثير من الحالات يعرقل أعمال ومصالح الكثيرين التي هي في الأخير تعطيل للمصالح الوطنية الحاضرة والمستقبلية. غياب الوعي بالغايات الكبيرة والمقصودة من النشاط الحكومي وعدم إدراك لماذا نقوم بهذه الأعمال وكيف تسهم في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للوطن تعزز هذا الفكر البيروقراطي الضيق، وبالتالي يتعين مراقبة البيروقراطيات من قبل مجالس مناطق ومحلية وبلدية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي.
حقيقة الوضع الإداري هي سيطرة البيروقراطية على عملية صنع القرار العام وثقافة إدارية يكتنفها الغموض والعشوائية والتسيب وعدم المبالاة وضعف الأداء. ولذا قد يكون من الخطأ اختزال بحث مشكلة الفساد الإداري والمالي وحلولها في المسؤولية الفردية والانتهاكات الشخصية للنظام واستغلال الوظيفة العامة لمصالح ذاتية، وإنما يجب مراجعة التنظيم الإداري وجعله أكثر قدرة على تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ وقياس الأداء والمحاسبة وتوثيق المعلومات والاستفادة منها في القرارات المستقبلية في إطار من المصداقية والحرية والشفافية والموضوعية. لا شك أن انتفاضة ولاة الأمر في وجه الفساد الإداري المتمثلة في القرار الملكي الرشيد بتقصي ما حدث في جدة ومحاسبة المتسببين، أمر يدعو للفخر والتفاؤل ويبعث الارتياح ويؤكد أن هذه الدولة يحكمها رجال مخلصون يحكمون شرع الله وبه يعدلون. لقد أدركوا بفطنتهم السياسية ورؤيتهم المستنيرة أنه لا يمكن قبول ما حدث في جدة من تعطيل للمشاريع وسوء إدارة ، ليس لأنه غير أخلاقي وغير منطقي وحسب، ولكن لأنه يمس الهوية الوطنية وكينونتنا ويهدد أمننا ومكتسباتنا وثوابتنا الوطنية ويقف حائلا أمام تحقيق طموحاتنا المستقبلية إلى أن نكون أكثر تحضرا وتقدما.
إن القضية الأساسية التي تواجهنا كمجتمع هي إيجاد نظام مبني على الرقابة المتوازنة بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية. هذا التوازن يؤدي إلى كبح جماح البيروقراطية كجهة تنفيذية في الاستحواذ على صناعة القرار. صحيح أن هناك هيئات رقابية متعددة ، لكن هي الأخرى لا تعدوا كونها أجهزة رقابية بيروقراطية تعتمد على الإجراءات البيروقراطية الورقية ذاتها التي قد تحجب رؤية الأخطاء الكبيرة. الرقابة الحقيقية تكون عبر مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية بصلاحيات تمكنها من الرقابة القبلية والبعدية أي في تحديد الأولويات وحجم المشاريع وتكاليفها ومصادر تمويلها وطريقة تنفيذها ابتداء، ومن ثم تقييم مستوى التنفيذ على أساس مدى توافقه مع السياسات والقرارات التشريعية للمجلس النيابي.
هناك ضرورة لإعادة النظر في نظامنا الإداري والمالي وعتقه من سيطرة البيروقراطية. لا نستطيع مهما كانت النوايا حسنة والدوافع مخلصة والموارد كبيرة أن نعالج المشكلات والقصور البيروقراطي بإضافة بيروقراطيات أخرى، فهذا عبث إداري حتى على فرضية أن البيروقراطيات تعمل بكفاءة وفاعلية وتطبق الأنظمة بموضوعية وحيادية وشفافية تامة، فهي تعجز عن مراقبة بعضها بعضا والسبب يعود لطبيعتها التنظيمية التي تتصف بالجمود والتحوصل، ولا يمكنها استيعاب التغيرات ولا القدرة على التعامل معها ولا تمتلك الرغبة في التغيير. وفي حال مجتمع نام مثل مجتمعنا يكون الوضع أكثر صعوبة حيث تتداخل القيم الاجتماعية والقيم البيروقراطية ويكون تطبيق الإجراءات تجريديا دون مقاصد محددة يخضع للتأويلات الشخصية. والحقيقة التي علينا مواجهتها أنه طالما تفردت البيروقراطيات بعملية صنع القرارات التنفيذية والتشريعية سيكون هناك فساد إداري ومالي، إن لم يكن تفردها ذاته فسادا إداريا وسنظل نتساءل: من يراقب البيروقراطية؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي