رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


قضية الفساد الإداري ودور منظمات المجتمع المدني

أحسب أن تناول الإعلام السعودي لقضية الفساد الإداري والمالي في إطار مناقشة كارثة شرق مدينة جدة.. سيكون له تأثير سلبي كبير على ترتيب المملكة في سجل الشفافية لدى منظمة الشفافية الدولية.
والمؤسف أن منظمات المجتمع المدني السعودية لم تقم بدورها في علاج مشكلة الفساد، ويظن البعض ممن يشغلون أنفسهم بالانضمام إلى منظمات المجتمع المدني في المملكة أن هذه المنظمات هي للبرستيج والصيت والشهرة، وأنها ليست منظمات تؤسس من أجل وضع برامج وخدمات تعين المجتمع وتساعده وتوفر له الخدمات والاحتياجات بأقل الأسعار أو لنقل بأبخس الأسعار وربما دون الأسعار.
إن من أهم وظائف منظمات أو جمعيات المجتمع المدني هو مؤازرة المؤسسات الحكومية على تقديم الخدمات للمواطنين دون تكاليف أو بأقل التكاليف الممكنة، بل إن بعض المنظمات الخيرية والتطوعية تقدم الخدمات مجاناً لمستحقيها.
وفي الشهر الماضي تعرضت منطقة شرق مدينة جدة لكارثة السيول التي ضيعت بعض مشاريع البنى التحتية وجعلتها ركاماً وأطلالاً، لأنها افتقدت الجودة والمتانة في التنفيذ، وكانت النتيجة أن راح ضحية هذا الإهمال عدد كبير من الأبرياء.
إن هشاشة هذه المشاريع جعلتها غير قادرة على الصمود أمام أمطار عادية وفقاً لما جاء في نصوص الأمر الملكي الذي تناول هذه المشاريع بشيء من النقد، ومن هذه الكارثة أفرز الإعلام السعودي بعض العناوين المهمة وأهمها عنوان ''الفساد الإداري'' الذي تصدر موضوعات وسائل الإعلام بجميع أشكالها وألوانها، ولقد رأينا في الإعلام الإلكتروني صوراً جعلتنا نقف مبهورين أمام فاجعة من أشد الفواجع التي شهدتها المدن السعودية في العقود الأخيرة.
وأتصور أن عنوان الفساد الإداري كان يجب أن يحرك جمعية الإدارة السعودية، بل كان يجب أن يحرك معهد الإدارة العامة الذي انضم للأسف إلى المؤسسات الحكومية التي تحتاج إلى إصلاح، أقول ظلت جمعية الإدارة حتى الآن تغط في نوم عميق وكأن القضية لا تعنيها لا من قريب ولا من بعيد رغم أن الفساد الإداري والمالي هو المتهم الأول في القضية.
المطلوب من جمعية الإدارة الآن أن تصمم تحركاً واسع الأرجاء باتجاه الفساد الإداري وتدعو إلى عقد المؤتمرات وورش العمل لفحص هذا العنوان المقيت الذي انتشر كالأخطبوط في أماكن كثيرة من أوصال النظام الإداري حتى بات يعانى أعراضه، ولا يقوى على تنفيذ المشاريع بكفاءة عالية وجودة لا تنافس، وهذه مشاريع الحكومة من مدارس وجامعات ومستشفيات وكهرباء ومياه وصرف صحي تتوقف في منتصف التنفيذ، بل بعد ربع المشوار من مراحل التنفيذ، وهكذا فإن قطار التنمية يتعثر وإن مبادرات الإصلاح يجب أن تسارع وتتحرك!
بمعنى أن الأزمة التي تعانيها المؤسسات الحكومية حتى منظمات القطاع الخاص هي أزمات جاءت نتيجة لتقاعس إداري، أو جاءت بسبب غياب الرقابة الإدارية على المشاريع ابتداء من الترسية حتى التنفيذ والانتهاء، إن الرقابة الإدارية من العناوين التي كان يجب أن تحظى باهتمام خاص من جمعية الإدارة السعودية لأن غياب الرقابة غياب للجودة في التنفيذ والإنجاز .
والمؤسف أننا حينما انتقدنا ديوان المراقبة العامة، وانتقدنا هيئة الرقابة والتحقيق.. انبرى لنا ديوان المراقبة العامة وبعث لنا منشوراً شديد اللهجة يتهمنا فيه بأننا نجهل نظام الديوان ونطالبه بغير ما هو مطلوب منه.
ونحن بمناسبة كارثة شرق جدة المؤلمة نقول لكل المؤسسات الرقابية الإدارية في السعودية، وفي مقدمتها ديوان المراقبة العامة إن غيابها عن أداء وظيفتها الأساسية هو السبب في هذا الانتشار الهائل لأمراض الفساد الإداري، ونقول إن القضية ليست تذكيرا بنظام صدر قبل 50 عاماً وعفا عليه الزمن، ولكن القضية أن يسعى الديوان الذي يرأسه رئيس بمرتبة وزير إلى تفعيل وظيفة الرقابة حتى تحقق الرقابة أهدافها في زمن يمور بالمستجدات، ولم يعد للجمود مكان، ولعلي بهذه المناسبة أتساءل: أين الرقابة الإدارية في أجندة الجمعية الإدارية السعودية؟
إنني أطالب جمعية الإدارة أن تهتم بالرقابة الإدارية وأن تعقد لها المؤتمرات، وتضع الرقابة الإدارية كـ ''العقار'' الفاعل للقضاء على كل أشكال الفساد والإفساد.
هكذا، لأننا أهملنا الرقابة في كل مستويات الإدارة السعودية، فإننا ندفع الآن ثمن هذا الإهمال، لأن الجميع يعرف أنه لا توجد إدارة فاعلة دون رقابة فاعلة، وكما يقول علماء الإدارة ''حيث الرقابة تكون الجودة، وحيث لا رقابة لا جودة''.
أي أن الفساد الإداري هو المرض العضال الذي يقتل برامج ومشاريع التنمية المستدامة، وإنه بالتحديد هو الذي تسبب في كارثة شرق جدة وفي كوارث عدم تنفيذ مشاريع المؤسسات الحكومية بجودة عالية.
إن النظام البيروقراطي الذي يعاني كل أمراض الفساد الإداري والمالي في أمس الحاجة إلى ''عقار'' نعالج به أمراض الفساد الإداري، لقد كان يجب أن تكون جمعية الإدارة في مقدمة من يُحَضّر هذا العقار ويتصدى لمشكلة الفساد الإداري جنباً إلى جنب مع كل منظمات العمل الميداني التي تحركت إلى مواقع الكارثة وأسهمت بجهد المقل في علاج جائحة من أخطر الجائحات التي تعرض لها الوطن فتحرك كل المواطنين من كل الشرائح حتى أئمة المساجد وفي مقدمتهم أئمة المسجد الحرام الذين أهابوا بالقيادات الإدارية أن يخافوا الله فيما أنيط بهم من أعمال وأن يخلصوا فيما كلفهم به ولي الأمر.
ونحن من جهتنا نهيب بجمعية الإدارة السعودية وكل كليات الإدارة في الجامعات السعودية أن تتحرك باتجاه دعم الرقابة الإدارية ومحاربة الفساد الإداري في المؤسسات الحكومية لحماية مشاريع التنمية المستدامة من ديناصورات الإدارة الفاسدة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي