رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل يتجاوز اليورو الدولار خلال 10 أعوام

في مقال لجيفري فرنكل أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد يتنبأ فرنكل بأن اليورو سيحل محل الدولار كعملة احتياط عالمية خلال عشر سنوات من الآن، ومن وجهة نظره فإن اليورو سيتجاوز الدولار لأول مرة في عام 2015 من حيث الاستخدام في الاحتياطيات العالمية للبنوك المركزية في العالم. تنبؤ فرنكل مرتبط أيضا بدراسة كان قد قام بها هو وشين منزي في 2008 والتي تنبأ فيها بأن اليورو سيحل محل الدولار خلال 15 عاما، تقريبا، وقد توصلا إلى هذه النتيجة من خلال تحليل محددات الطلب على الاحتياطيات العالمية من النقد الأجنبي، والتي يحتل فيها الدولار المركز الأول. وبناء على نتائج النموذج القياسي تم وضع عدة سيناريوهات للعلاقة بين الدولار واليورو حتى عام 2040، ولن أدخل هنا في التفاصيل الفنية للنموذج القياسي المستخدم في السيناريوهات المختلفة للعلاقة المتوقعة بين الدولار واليورو، لأنه قائم على عديد من الفروض التي تضعف السيناريو الأساسي الذي استند إليه فرنكل في تنبئه والمعروض في الشكل رقم (1).

الشكل رقم (1) سيناريو استخدام الدولار واليورو في الاحتياطيات العالمية من النقد الأجنبي

#2#

ويشير فرنكل إلى أن الدولار ظل منذ نهاية الحرب العالمية حتى نهاية القرن الماضي عملية الاحتياط الرئيسة للعالم، ولم تستطع عملات قوية كانت موجودة في هذا الوقت منافسة الدولار كعملة احتياط مثل الين الياباني والمارك الألماني. ومن وجهة نظر فرنكل فإن اليورو يختلف عن الين والمارك الألماني، حيث لم يشكلا تحديا لدور الدولار بسبب أن الاقتصاد الألماني والياباني كانا صغيرين بالنسبة لحجم الاقتصاد الأمريكي، كما أن أسواق المال في هاتين الدولتين لم تكن بالعمق المقارن بسوق المال الأمريكي، أما بالنسبة لليورو فإن الحجم الاقتصادي للمنطقة الأوروبية كبير وعلى نحو مماثل للاقتصاد الأمريكي، كما أن اليورو أثبت أنه مخزن جيد للقيمة مقارنة بالدولار الدولار.

ويعول فرنكل في مقاله على الدروس التاريخية المستفادة من العلاقة بين الدولار والاسترليني، حيث إنه على الرغم من تجاوز الاقتصاد الأمريكي للاقتصاد البريطاني من حيث الحجم في عام 1872، وكذلك في حجم الصادرات في عام 1915، وكمقرض صاف في عام 1917، فإن الدولار لم يتجاوز الإسترليني إلا عام 1945، أي أن هناك فترات تأخير، يمكن أيضا أن تتكرر في العلاقة بين الدولار واليورو، وفقا لفرنكل. وأعتقد أن استشهاد فرنكل هنا ليس في محله تماما، لأن صعود الدولار كعملة دولية في ذلك الوقت كان لظروف عالمية أملت أن يحتل الدولار مكانة العملة الدولية في ظل عدم قدرة العالم العودة لنظام الذهب، وفي وقت لم تكن هناك عملة احتياط دولية أصلا، في حين كان الدور العالمي للإسترليني قد انتهى بنهاية العشرينيات تقريبا. ولذلك أجمعت الدول المؤتمرة في بريتون وودز على ضرورة العودة لنظام الذهب من خلال الدولار الأمريكي، أي استخدام الدولار الأمريكي في احتياطيات البنوك المركزية للعالم بدلا من الذهب، على أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتحويل هذه الدولارات إلى ذهب من الولايات المتحدة عند حاجتها إلى ذلك.

الحجة الثانية التي يرتكز إليها فرنكل هي أن دول العالم في الماضي كانت مستعدة لدفع التكلفة المالية اللازمة للحيلولة دون تفاقم العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي، على سبيل المثال كانت ألمانيا مستعدة لمقابلة النفقات العسكرية الأمريكية في القواعد الألمانية لتخفيض عجز ميزان المدفوعات الأمريكي في الستينيات، وفي 1991 تحملت السعودية والكويت وعدد من الدول التكاليف المالية للحرب ضد العراق ومن ثم ساعدت على مواجهة العجز الجاري في ميزان المدفوعات في ذلك الوقت. غير أنه للأسف، من وجهة نظر فرنكل، ومنذ 2001 فإن أمريكا فقدت جانبا كبيرا من التعاطف الدولي حول شرعية ما تقوم به من عمليات عسكرية خارج حدود الولايات المتحدة، ومن ثم لم تجد من يقدم الدعم لميزانها التجاري في مقابل ما سمّته بحربها على الإرهاب، وهو ما يمهد لتراجع الدور الذي يلعبه الدولار عالميا في ظل العجز المتفاقم لميزان المدفوعات. وهي أيضا حجة واهية لأن الإنفاق العسكري الأمريكي لم يكن في وقت من الأوقات في الماضي، ولن يكون كذلك في المستقبل هو المسبب لتراجع الدور الذي يلعبه الدولار كعملة احتياط عالمية.

كذلك يستشهد فرنكل أيضا بأزمة حرب السويس في 1956 على أنها التي مهدت لزوال الهيمنة البريطانية عندما أعلن الرئيس إيزنهاور بأنه لن يدعم الاسترليني من خلال صندوق النقد الدولي إلا إذا انسحبت بريطانيا من قناة السويس، باعتباره أحد الدروس التاريخية المستفادة في هذا الصدد. وهو أيضا استشهاد في غير محله، صحيح أن حرب السويس كانت بداية أفول العهد البريطاني، إلا أنها لم تكن السبب في تراجع دور الاسترليني وصعود الدولار، فلا يمكن المقارنة بين وضع الاقتصاد البريطاني المترهل في أثناء حرب السويس ووضع الاقتصاد الأمريكي في أعقاب 2001، فالاقتصاد الأمريكي، على الرغم من ظروف الأزمة الحادة التي يمر بها، لم يصل بعد إلى تلك الدرجة من الضعف التي توحي بقرب انهيار عملته ومن ثم استغناء البنوك المركزية للعالم عن تلك العملة على الرغم من المحاولات الحثيثة التي تقوم بها بعض الدول مثل الصين وروسيا في الاستغناء التدريجي عن الاحتياطيات الدولارية.

من ناحية أخرى، فإن آخر البيانات المتاحة عن احتياطيات النقد الأجنبي لدول العالم وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي والمعروضة في الشكل رقم (2) تشير إلى أن تطور الطلب على الدولار سار على نحو مماثل للطلب على اليورو على الرغم من أزمة الدولار الأمريكي، وأن الدولار الأمريكي ما زال المكون الأول لاحتياطيات للبنوك المركزية في دول العالم من النقد الأجنبي، وأنه على الرغم من ظروف الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي، فإن الدولار لم يشهد ذلك الهبوط الحاد في الطلب عليه مثلما تتوقع دراسة فرنكل ومنزي. من ناحية أخرى، فإن الأداء المتميز لليورو خلال السنوات الماضية لا يعني أنه لا يعاني مشكلات كامنة، فبعض الدول الأوروبية الأعضاء في اليورو، يواجه حاليا ضغوطا مالية خطيرة تهدد قدرته على الاستمرار كعضو في العملة الأوروبية الموحدة، بصفة خاصة المشكلات الاقتصادية الحادة التي تواجهها إيرلندا، فعلى الرغم من تراجع معدلات البطالة وزيادة معدلات النمو في أنحاء العالم كافة في الربع الأخير من هذا العام، فإن معدلات النمو حتى نهاية هذا العام كانت سالبة في إيرلندا، ومن المتوقع أن تستمر معدلات النمو سالبة في 2010، وتتزايد بالتالي معدلات البطالة.

المشكلة الخطيرة الثانية التي يمكن أن يواجهها اليورو هي الدين السيادي المتصاعد لليونان، حيث تشير المؤشرات المتاحة إلى تعقد مشكلة سداد هذا الدين إلى درجة ترجح احتمال إعلان اليونان عن إفلاسها أو عدم قدرتها عن الوفاء بالتزاماتها المالية، وقد أصبح ينظر إلى الدين اليوناني على أنه قنبلة موقوتة معرضة للانفجار في أي لحظة لكي تحدث آثارا مدمرة عبر أوروبا كلها والعالم بأسره. أكثر من ذلك فإن بعض المراقبين يتوقعون أن تجبر هاتان الدولتان على الخروج من اليورو في 2010، لتبدأ بذلك أو انتكاسة يواجهها الاتحاد النقدي الأوروبي، إن تراكم المشكلات المالية والاقتصادية لهاتين الدولتين والمرشح أن يتفاقم في 2010 سيحدث آثارا خطيرة على المستوى العالمي، تفوق أضعاف ما أثاره إعلان دبي عن مواجهتها لمشكلة سيولة في سداد التزاماتها.

لا أتفق مع ما ذهب إليه فرنكل من أن تشابه مجريات الأحداث التاريخية ستمهد لزوال الدولار وصعود اليورو، وما زلت أؤمن بقدرة الاقتصاد الأمريكي على التعافي من آثار الأزمة والتخلص من الآثار المالية للكوارث العسكرية التي بدأها بوش، ومعالجة آثار الأزمة المالية العالمية، مثلما فعل قبل ذلك لعقود طويلة من الزمن في الماضي، وأن الدولار ما زال يسيطر على قواعد اللعبة كعملة احتياط عالمية من الدرجة الأولى في المستقبل أيضا.

الشكل رقم (2) مطالب البنوك المركزية بالدولار مقارنة باليورو.
#3#

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي