انتعاش الاقتصاد العالمي والتحولات التي تجابه قطاع صناعة الطاقة (2 من 3)
خلافا لسوق النفط العالمية، أسواق الطاقة الكهربائية هي محلية وإقليمية بالدرجة الأساس. مع ذلك جميعها تقريبا تشترك في هدف واحد عبر معظم دول العالم: وهو أن الاستثمارات الجديدة قد تحولت من كونها تعتمد بالدرجة الأساس على نوعية الطلب إلى الاعتماد في المقام الأول على سياسات الطاقة للدول المعنية، مدعومة بالإعانات والسماح الضريبي لتبديد المخاوف على قدرتها على تحمل التكلفة العالية.
على سبيل المثال الزيادة المتوقعة في الطاقة الكهربائية خلال الأعوام الخمسة المقبلة في ست أسواق مهمة في الولايات المتحدة، كندا، أمريكا اللاتينية، أوروبا، الصين والهند، جميعها ترتكز على تقنية واحدة هي طاقة الرياح. التي لم تكن تشكل أي نسبة تذكر من إنتاج الطاقة الكهربائية قبل سنتين فقط، بينما هي الآن واضحة في خطط معظم المناطق الرئيسة في العالم من حيث استهلاك الطاقة. حيث من المتوقع أن تضيف من 4 في المائة من الطاقة الإنتاجية الجديدة في أمريكا اللاتينية إلى نحو 40 في المائة من قدرات توليد الطاقة الكهربائية الجديدة في الولايات المتحدة وكندا. إضافة إلى ذلك الولايات المتحدة تخطط لإضافة كمية صغيرة من الطاقة الكهرومائية، في حين الطاقة المائية من المتوقع أن تشكل ثاني أكبر مصدر من الطاقة الإنتاجية الكهربائية الجديدة في أمريكا اللاتينية والصين، وتقريا ستعادل الغاز الطبيعي في المرتبة الثالثة في الهند.
على الرغم من أن التحول في اتجاه تكنولوجيات طاقة الرياح هو في الأساس نتيجة تحسن اقتصاديات توربينات الرياح، لكن هذا الاتجاه يعكس أيضا رغبة الحكومات لتقليل محتوى الكربون في الوقود المستخدم وتقليل تأثيرات التلوث المحلي للوقود الأحفوري. كما أن تعزيز دور الغاز الطبيعي كان ملحوظا في معظم دول العالم، ما عدا الصين، حيث عديد من المولدات الكهربائية قد تحولت من الفحم الحجري إلى الغاز الطبيعي لتخفيض انبعاثات الكربون. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، الطلب على الغاز الطبيعي لا يزال ثابتا على الرغم من التباطؤ الاقتصادي في عام 2009 نظرا لأن عديدا من محطات توليد الطاقة الكهربائية قد استعاضت بالغاز الطبيعي عن الفحم في قطاع الطاقة الكهربائية.
التحول الآخر الذي يواجه قطاع صناعة الطاقة في العالم هو تحول نمو الطلب على الطاقة من مراكز الطلب على الطاقة في الدول الصناعية الرئيسة إلى الدول الآسيوية والأسواق الناشئة والنامية الأخرى. حيث إن قوة ونفوذ وتأثير كل من الصين والاقتصاديات الناشئة الأخرى في مجال الاقتصاد والطاقة تنمو بسرعة. هذا التحول اتضح من خلال قرار جعل G20 المنتدى الاقتصادي الرئيس، ومن تنامي قوة حجج العالم النامي ضد الأهداف الإلزامية لانبعاث الغازات الدفيئة في اجتماعات كوبنهاجن المقبلة. ما يقرب من 90 في المائة من نمو الطلب على النفط خلال السنوات الخمس المقبلة من المتوقع أن يأتي من البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادي، حيث ستلعب هذه البلدان أيضا دورا حاسما في الطلب الجديد على توليد الطاقة الكهربائية. تغير الأدوار بين بلدان منظمة التعاون والتنمية والاقتصاديات الناشئة سيؤثر أيضا في كيفية معالجة أسواق الطاقة العالمية المشكلات المتعلقة بتغير المناخ والاحتباس الحراري. القدرة على الحفاظ على هذه الميزة الاقتصادية ستعتمد على المستهلكين. حيث إن عديدا من اقتصاديات البلدان غير الأعضاء بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادي تجني عائداتها من خلال صادرات المواد الخام والسلع المصنعة الأخرى. إذا تحولت أنماط الاستهلاك في بلدان منظمة التعاون والتنمية، فإن هذه الاقتصاديات الناشئة ستعاني ما لم تكن قادرة على تطوير أنماط مستدامة من الاستهلاك المحلي.
كما ذكرنا في مقالات سابقة، الطلب على النفط من المحتمل قد وصل إلى ذروته في بلدان منظمة التعاون والتنمية في عام 2005. قطاع النقل والمواصلات لمنظمة التعاون والتنمية يمثل نحو 60 في المائة من الطلب على النفط، لذلك الطلب على وقود - النقل المستخرج من النفط من المرجح أن ينخفض في تلك البلدان، وذلك لعدد من الأسباب:
وصول اقتصادياتها إلى مرحلة من النضج وضعف فرص تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، استبدال مصادر النفط التقليدية بمصادر الطاقة المتجددة، تباطؤ وتيرة النمو في استهلاك وقود النقل، وضع سياسات صارمة لترشيد استهلاك الطاقة والاهتمام المتزايد بقضايا أمن الإمدادات، وضعف معدلات النمو السكاني، حيث إن النمو السكاني في معظم البلدان المتقدمة يزداد ببطء شديد جدا أو حتى ينخفض، كما أن نسب معدلات كبار السن في تزايد أيضا. هذا يعني أن الطلب على التنقل وصل إلى ذروته. مع ارتفاع مستويات الدخل في دول منظمة التعاون والتنمية، معدلات ملكية السيارات قد وصلت إلى ذروتها هي أيضا، وأي زيادة أخرى في أسطول المركبات غير محتمل. كما أن النمو الحضري وزيادة الوعي البيئي لدى المستهلكين يمكن أن يؤدي هو الآخر إلى خفض معدلات ملكية السيارات. الدفع الحكومي والشعبي القوي لتحسين كفاءة معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود في قطاع السيارات، حيث إن القلق بشأن أمن إمدادات الطاقة ومبادرات تغير المناخ للحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري حفزت حكومات دول منظمة التعاون والتنمية على تشديد معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود للسيارات الخفيفة، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة على مدى السنوات القليلة الماضية دفعت الصناعة والمستهلكين في جميع دول المنظمة لزيادة الكفاءة بغض النظر عن سياسة الحكومات. التوسع في استخدام أنواع الوقود البديلة وتطوير تقنيات جديدة للسيارات، حيث تسعى الحكومات في جميع دول المنظمة لوضع قوانين في صالح زيادة حصة أنواع الوقود البديلة في قطاع النقل، خصوصا الوقود الحيوي.
حسب توقعات النفط العالمية لمنظمة ''أوبك'' 2009، إجمالي الطلب على النفط في دول منظمة التعاون والتنمية سيواصل التفوق على الطلب في البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادي حتى منتصف العقد المقبل، حيث سيمثل منتصف العقد المقبل نقطة تحول مهمة وحاسمة في الطلب العالمي على النفط عندما يتقاسم كلا الفريقين الطلب العالمي على النفط 50:50 في حدود 45.2 مليون برميل يوميا لكل منهما. الفرق بين مستويات النمو في الطلب خلال هذه الفترة بين كلا الفريقين هو أكثر إثارة للانتباه، حيث إن النمو في الطلب على النفط في دول منظمة التعاون والتنمية لن يشكل سوى نحو 10 في المائة، بينما ما يقرب من 90 في المائة من نمو الطلب على النفط خلال السنوات الخمس المقبلة من المتوقع أن يأتي من الفريق الآخر، كما أشرنا سابقا.