الميزانية: هل يتكرر المشهد؟
أظهرت بيانات وزارة المالية أن ميزانية 2009 انتهت بعجز يعادل تقريبا 10 في المائة من الإيرادات، بعد ميزانيات فائض قارب تريليون ريال خلال السنوات 2003 - 2008. ومن المتوقع جدا أن تنتهي ميزانية 2010 بعجز يبلغ عشرات المليارات، وأن يستمر هذا المستوى من العجز السنوي في السنوات المقبلة. فما أشبه الليلة بالبارحة.
مرت الميزانية العامة بعجز سنوي على مدى نحو 20 عاما ابتداء من 1982، وقبله كانت هناك سنوات من الفائض, نبتت في المجتمع خلالها عدة أوهام عن أوضاعنا المالية، حيث ساد عند كثيرين وهم أن المال وفير جدا ومتاح لتحقيق كل ما تتمناه النفوس، وحل كل المشكلات التي تواجه المجتمع. وكانت النظرة عند كثرة من أفراد المجتمع أن أسعار وإيرادات النفط ستبقى مرتفعة ومجزية لتأمين مستوى معيشي مرتفع لعامة الشعب، والنظر إلى النفط كما لو أنه مورد غير ناضب, وتبعا لذلك ضعف الترشيد في الإنفاق.
عندما حل العجز عولج في سنواته الأولى بالسحب من الفائض المتجمع خلال السنوات السمان. العجز استمر، بينما كاد الفائض أن ينتهي، فكان العلاج بالاقتراض والتقشف النسبي في الإنفاق.
مع مرور السنين، تكون دين عام بلغ نحو 700 مليار ريال مطلع هذا القرن الميلادي، وهو رقم مخيف لأنه تقريبا في حجم الناتج المحلي الإجمالي آنذاك. وصاحب توسع الدين التقشف النسبي في الإنفاق, فخفضت رواتب بطريقة غير مباشرة، وصار هناك شبه توقف في بناء مشاريع، وفي توسعة الجامعات والمستشفيات والطرق والموانئ والمطارات وعامة المرافق. وأصبحت أكثرية المدارس في مبان مستأجرة. وتقلص تمويل الإسكان، بينما تضاعف عدد السكان.
من الله على العباد فبدأت أسعار وإيرادات النفط بالارتفاع منذ عام 2003، وكانت ذروة الارتفاعات في الأعوام 2007 ـ 2009. فاضت خزانة الحكومة بالمال، وعاد معظم الناس، العوام منهم والخواص، إلى تبني الأوهام نفسها حول المالية الحكومية. وفي أواخر عام 2007، وفي قمة موجة التضخم، بني على تلك الأوهام مطالبات بزيادة رواتب منسوبي الحكومة من مدنيين وعسكريين زيادة كبيرة، أوصلها البعض إلى أكثر من 50 في المائة. وربما يتذكر بعض القراء أنني كتبت أكثر من مقال في جريدة ''الرياض'' آنذاك، ومنها ما نشر في 6/12/2007، أبين فيها أن طفرة فائض الميزانية ستنتهي في سنوات قليلة، وهذا شبه مؤكد. ومن ثم فمن الخطأ زيادة الرواتب دون إصلاحات جذرية في الإدارة الحكومية، وفي أوضاع الاستقدام وتوظيف المواطنين.
حاليا، يبلغ عدد العاملين في أجهزة الحكومة الخاضعة للميزانية قرابة المليون والثلث من مدنيين وعسكريين. وزيادة في التوضيح، لا يدخل في هذا العدد العاملون في أجهزة وشركات حكومية لا تخضع للميزانية العامة، كـ ''أرامكو السعودية''. وأقدر جميع مستحقات هؤلاء المليون والثلث من رواتب وغير رواتب بقرابة 230 مليار ريال سنويا الآن، وستتضاعف في غضون 20 عاما، بسبب العلاوات السنوية والترقيات وتوظيف المزيد لمقابلة تزايد السكان. وأما إذا زيدت الرواتب (خلاف العلاوات السنوية والتسويات الوظيفية) خلال هذه الفترة بنسبة 15 إلى 30 في المائة، فإن فاتورة المستحقات الأجرية ستبلغ نحو 500 إلى 600 مليار بعد 20 عاما تقريبا.
وإذا تركنا بنود أجور موظفي وعسكريي الحكومة، وذهبنا إلى الإنفاق العام على التجهيزات والتشغيل والصيانة والبنية التحتية والمرافق العامة وخدمات الأمن والرعاية الاجتماعية غير الرواتب، نجد أن الإنفاق الحكومي يبلغ نحو 300 مليار سنويا حاليا. ويفترض أن يزيد المبلغ بالطبع مع مرور السنين بسبب زيادة السكان وارتفاع الأسعار وحاجة ما هو قائم إلى الترميم والتجديد. ومن المتوقع أننا سنحتاج إلى أكثر من 500 مليار سنويا، بعد 20 عاما. ومن ثم فإن مجمل الإنفاق الحكومي سيبلغ نحو تريليون ريال سنويا في غضون 20 عاما للمحافظة على المستوى نفسه من الخدمة.
في ظل استمرار الاعتماد شبه الكلي للخزانة العامة على إيرادات النفط، فإن قدرة الحكومة على تحقيق ذلك المستوى من الإنفاق يعتمد على تحقق أمرين: الأول اتجاه أسعار النفط إلى الارتفاع، لتصل من حيث المتوسط إلى 150 دولارا أو أكثر للبرميل بعد 15 إلى 20 عاما، والثاني مستوى من الصادرات النفطية مشابه للوضع القائم.
فما مدى احتمالية حدوث ذلك؟
هذا سؤال أطرحه أمام القارئ. ومع الطرح، أرجو أخذ ثلاثة أمور بعين النظر: الاتجاه العالمي لتبني سياسات تقلل نمو الطلب على النفط لأسباب عديدة، والثاني كون النفط موردا ناضبا. والثالث نمو الاستهلاك المحلي المطرد من المنتجات النفطية.
وحتى لو قلنا بتحقق الأمرين السابقين، ارتفاع أسعار النفط وصادرات بالمستوى الحالي خلال الـ 20 عاما المقبلة، فالسؤال التالي: وماذا بعد 20 أو 30 عاما أخرى، أي ماذا بعد 50 عاما من الآن؟ حينها سيتجاوز سكان المملكة تقديرا 60 مليونا.
لقد أدمن الناس على إيرادات النفط، وفي هذا خطر كبير أمنيا واقتصاديا واجتماعيا على الأمد البعيد. والتحدي في تخفيف هذا الإدمان، مع المحافظة على المستوى المعيشي، وبالله التوفيق.