ميزانية .. الخير والتنمية المستدامة
بادئ ذي بدء أود أن أهنئ وزارة المالية على النجاح الكبير الذي حققته الميزانية التقديرية للدولة للعام المالي 2009، واستطاعت أن تقدم المال اللازم للأحداث الطارئة التي فاجأت الحكومة في نهاية العام، وأهم هذه الأحداث العدوان المسلح الذي قام به المتسللون على حدودنا وأهلنا في الجنوب، وبسببه صدر الأمر الملكي ببناء مدينة جديدة في منطقة جازان قوامها عشرة آلاف وحدة سكنية، وكذلك توفير المال اللازم لتعويض ضحايا كارثة السيول التي وقعت في شرق مدينة جدة وراح ضحيتها مواطنون أبرياء، الأهم من هذا أن النظام المالي السعودي المتين استطاع أن يخرج الاقتصاد الوطني من الأزمة المالية العالمية وتوابعها بأقل الخسائر الممكنة، ولذلك بمناسبة صدور الميزانية التقديرية الجديدة لعام 2010 نغتنمها فرصة لنشكر فيها وزارة المالية على تلك الإنجازات الرائعة الموفقة.
ومن هذا المنطلق فإن وزارة المالية استطاعت وهي تضطلع بتصميم ميزانيات الدولة التقديرية في كل عام أن تكتسب خبرة ومهارة جيدة في مواجهة الأزمات والطوارئ، وفي رصد الاعتمادات المالية اللازمة، وفي بيانها السنوي توقعت وزارة المالية أن تصل الإيرادات الفعلية في نهاية العام المالي الحالي لتنفيذ المزيد من برامج ومشاريع التنمية في جميع أنحاء الوطن من أقصاه إلى أقصاه. وتتوقع وزارة المالية أن تصل الإيرادات الفعلية في نهاية العام المالي الحالي إلى (505) خمس مائة وخمسة مليارات ريال بزيادة نسبتها (23) في المائة عن المقدر لها بالميزانية، منها (86) في المائة تقريباً تمثل إيرادات نفطية، وتقل عن إجمالي الإيرادات الفعلية التي تم تحقيقها في العام المالي الماضي 1428/1429 بمبلغ (595) خمس مائة وخمسة وتسعين مليار ريال أي بانخفاض نسبته (54) في المائة. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى الانخفاض في أسعار النفط والكميات المصدرة.
وتتوقع الوزارة أن تبلغ المصروفات الفعلية في نهاية العام المالي الحالي 1430/1431 (550) خمس مائة وخمسين مليار ريال بزيادة مقدارها (75) خمسة وسبعون مليار ريال عمَّا صدرت به الميزانية، نتيجة لما استجد خلال العام المالي من مصروفات شملت زيادة دفعات تنفيذ مشاريع للحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة ومشاريع عسكرية دعمت قواتنا المسلحة الظافرة في مواجهتها مع غارات المتسللين الغاشمة. ولقد قُدِّرَتْ الإيرادات العامة بمبلغ (470) أربع مائة وسبعين مليار ريال، وحُدِّدَتْ النفقات العامة بمبلغ (540) خمس مائة وأربعين مليار ريال، وقَدِّرَ العجز في الميزانية بمبلغ (70) سبعين مليار ريال.
ورغم أن الدين العام انخفض كثيراً عما كان عليه قبل أربع سنوات إلاّ أن الحكومة تهتم كثيراً بخفض حجم الدين العام، حيث كان حجمه في نهاية العام المالي الماضي 1428/1429 (2008م) (237) مائتين وسبعة وثلاثين مليار ريال ويمثل ما نسبته (13.3) في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للعام نفسه ويُتَـوَقَّع أن ينخفض حجمه الصافي ليصل - بإذن الله - في نهاية العام المالي الحالي 1430/1431 إلى نحو (225) مائتين وخمسة وعشرين مليار ريال.
لقد اعتمدت الميزانية مشاريع جديدة تضاف إلى المشاريع التي تم اعتمادها بالميزانية الحالية، وتم التركيز على المشاريع التنموية التي ستؤدي إلى زيادة الفرص الوظيفية، ووزعت الاعتمادات المالية بشكل رُكِّزَ فيه على قطاعات التعليم، ودعم البحث العلمي، والصحة، والخدمات الأمنية والاجتماعية والبلدية، والمياه والصرف الصحي، والطرق، وتقنية المعلومات.
ونذكر ـ على سبيل المثال ـ أن ما تم تخصيصه لقطاع التعليم العام والتعليم العالي وتدريب القوى العاملة نحو (137) مائة وسبعة وثلاثين ملياراً وست مائة مليون ريال ويمثل أكثر من (25) في المائة من النفقات المعتمدة للعام المالي المقبل، وبزيادة نسبتها (13) في المائة عما تم تخصيصه بميزانية العام المالي الحالي 1430/1431هـ، بمعنى أن ما خصص للتعليم في ميزانية الدولة يمثل ربع ميزانية الدولة، ونعرف جميعاً أن الاهتمام بالتعليم إلى هذا الحد سيقود المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة في المستقبل القريب ـ إن شاء الله.
وتتضمن مشاريع التعليم إنشاء (1200) ألف ومائتي مدرسة جديدة للبنين والبنات في جميع المناطق، إضافة إلى المدارس الجاري تنفيذها حالياً البالغ عددها (3112) ثلاثة آلاف ومائة واثنتي عشرة مدرسة، والمدارس التي تم تسلمها خلال هذا العام وعددها أكثر من (770) سبع مائة وسبعين مدرسة, وتأهيل وتوفير وسائل السلامة لـ (2000) ألفي مبنى مدرسي للبنين والبنات, وإضافة فصول دراسية للمدارس القائمة, وتأثيث المدارس وتجهيزها بالوسائل التعليمية ومعامل وأجهزة الحاسب الآلي.
وفي مجال التعليم العالي تضمنت الميزانية اعتمادات للجامعات الأربع الجديدة في (الدمام، والخرج، وشقراء، والمجمعة) تزيد على (3) ثلاثة مليارات ريال, وكذلك استكمال إنشاء المدن والمستشفيات الجامعية في عدد من الجامعات تبلغ تكاليفها (28.700) ثمانية وعشرين ملياراً وسبع مئة مليون ريال، وتم البدء في تنفيذ جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، وجامعة الملك سعود للعلوم الصحية.
أمّا الخدمات الصحية والتنمية الاجتماعية فقد بلغ ما خصص لقطاعات الخدمات الصحية والتنمية الاجتماعية نحو (61.200) واحد وستين ملياراً ومائتي مليون ريال بزيادة نسبتها (17) في المائة عما تم تخصيصه بميزانية العام المالي الحالي 1430/1431هـ.
كذلك تضمنت الميزانية مشاريع صحية جديدة لاستكمال إنشاء وتجهيز مراكز الرعاية الصحية الأولية بجميع مناطق المملكة، ومشاريع إنشاء مستشفيات جديدة عددها (8) ثمانية مستشفيات ومشاريع لإحلال وتطوير البنية التحتية لـ (19) تسعة عشر مستشفي، إضافة إلى استكمال تأثيث وتجهيز عدد من المرافق الصحية، ويجري حالياً تنفيذ (92) اثنتين وتسعون مستشفى جديد في مناطق المملكة بطاقة سريرية تبلغ (17150) سبعة عشر ألفاً ومائة وخمسين سريراً.
وفي مجال الخدمات الاجتماعية، ذكر تقرير وزارة المالية أإن الميزانية تضمنت مشاريع جديدة لإنشاء أندية ومدن رياضية ودور للرعاية والملاحظة الاجتماعية والتأهيل، ومبان لمكاتب العمل، ودعم إمكانات وزارة العمل ووزارة الشؤون الاجتماعية لتحقيق أهداف التنمية الاجتماعية، إضافة إلى الاعتمادات اللازمة لدعم برامج معالجة الفقر والصندوق الخيري الوطني بهدف اختصار الإطار الزمني للقضاء على الفقر والاستمرار في رصده بناءً على التوجيهات الملكية الكريمة، والمخصصات السنوية المتعلقة بالأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة ومخصصات الضمان الاجتماعي. ويصل إجمالي ما تم صرفه على برامج معالجة الفقر والمخصصات السنوية المتعلقة بالأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة والضمان الاجتماعي خلال العام المالي الحالي 1430/1431هـ إلى نحو (18) ثمانية عشر مليار ريال.
وفيما يتعلق بالمشاريع البلدية فقد بلغ المخصص لقطاع الخدمات البلدية ويشمل وزارة الشؤون البلدية والقروية والأمانات والبلديات نحو (21.700) واحد وعشرين ملياراً وسبع مئة مليون ريال بزيادة نسبتها (15) في المائة عما تم تخصيصه بميزانية العام المالي الحالي 1430/1431هـ، منها ما يزيد على (2.900) مليارين وتسع مائة مليون ريال ممولة من الإيرادات المباشرة للأمانات والبلديات، كذلك تضمنت الميزانية مشاريع بلدية جديدة وإضافات لبعض المشاريع البلدية القائمة تشمل تنفيذ تقاطعات وأنفاق وجسور جديدة لبعض الطرق والشوارع داخل المدن وتحسين وتطوير لما هو قائم بهدف فك الاختناقات المرورية، إضافة إلى استكمال تنفيذ مشاريع السفلتة والإنارة للشوارع وتصريف مياه الأمطار ودرء أخطار السيول وتوفير المعدات والآليات، ومشاريع للتخلص من النفايات وردم المستنقعات وتطوير وتحسين الشواطئ البحرية، ومبان إدارية وحدائق ومتنزهات.
ومن ناحية أخرى فقد بلغت مخصصات قطاع النقل والاتصالات نحو (23.900) ثلاثة وعشرين ملياراً وتسع مئة مليون ريال بزيادة نسـبتها (24) في المائة عما تم تخصيصه بميزانية العام المالي الحالي 1430/1431هـ، كذلك احتوت الميزانية مشاريع جديدة وإضافات للمشاريع المعتمدة سابقاًً للطرق والموانئ والخطوط الحديدية والمطارات والخدمات البريدية تبلغ التكاليف التقديرية لتنفيذها ما يزيد على (31) واحدٍ وثلاثين مليار ريال، ففي مجال الموانئ شملت الميزانية تحديث البنية التحتية لبعض الموانئ وإنشاء أرصفة بميناء رأس الزور. وفي مجال الطرق اعتمد مشاريع جديدة لتنفيذ طرق سريعة ومزدوجة ومفردة مجموع أطوالها (6.400) ستة آلاف وأربع مائة كيلو متر تبلغ التكاليف التقديرية لتنفيذها ما يقارب (10.800) عشرة مليارات وثمان مائة مليون ريال, منها طريق جدة/ جازان الساحلي السريع «المرحلة الثالثة» والمرحلة الأولى من طريق (تبوك/ المدينة المنورة السريع) وازدواج طريق (عفيف/ ظلم «المرحلة الأولى») وازدواج طريق (حائل/ رفحاء «المرحلة الأولى»)، والمرحلة الثالثة من الطريق الدائري في مدينة جدة, واستكمالات وإصلاحات لطرق قائمة مع إعداد الدراسات والتصاميم لطرق جديدة أخرى يزيد مجموع أطوالها على (3.263) ثلاثة آلاف ومائتين وثلاثة وستين كيلو مترا, إضافة إلى ما يقارب (35) خمسة وثلاثين ألف كيلو متر يجري تنفيذها حالياً من الطرق السريعة والمزدوجة والمفردة من أبرزها طرق (الطائف/ الباحة/ أبها) و(الشقيق/ جازان) و (الخرج/ حرض/ بطحاء) وطريق (حائل/ المدينة المنورة المباشر), و(إكمال الطريق المؤدي إلى منفذ الربع الخالي الحدودي مع سلطنة عمان), والطريق الدائري الثاني بمكة المكرمة. أماّ المياه والزراعة فقد بلغ المخصص لقطاعات المياه والصناعة والزراعة والتجهيزات الأساسية وبعض القطاعات الاقتصادية الأخرى نحو (46) ستة وأربعين مليار ريال بزيادة نسبتها (30) في المائة عما تم تخصيصه بميزانية العام المالي الحالي 1430/1431هـ، وتضمنت الميزانية مشاريع جديدة وزيادات لمشاريع معتمدة لتوفير مياه الشرب وتعزيز مصادر المياه، وتوفير خدمات الصرف الصحي، والسدود وحفر الآبار وكشف ومعالجة تسربات المياه، واستبدال شبكات المياه والصرف الصحي، وترشيد استهلاك المياه، وإنشاء محطتي تحلية في رأس الزور وينبع، وتطوير وتحديث وتوسعة محطات التحلية القائمة وإنشاء صوامع ومطاحن جديدة وتوسعة القائم منها، وتغطية قنوات الري الرئيسة بالأحساء. وتضمنت الميزانية مشاريع جديدة وزيادات لمشاريع معتمدة لإنشاء البنية التحتية والتجهيزات والمرافق اللازمة في مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين, ولغرض زيادة الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات في مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين فقد تضمنت الميزانية مشاريع جديدة ومراحل إضافية لعدد من المشاريع الجديدة تبلغ تكاليفها أكثر من (4.700) أربعة مليارات وسبع مائة مليون ريال لتجهيز البنية التحتية في (الجبيل, وينبع) للصناعات البتروكيماوية وإنشاء المرافق التعليمية والسكنية والطرق والخدمات الأخرى. كما تضمنت الميزانية مشاريع لتجهيز البنية التحتية للصناعات التعدينية برأس الزور, وإنشاء الطريق الذي يربط مدينة الجبيل الصناعية بالمدينة التعدينية برأس الزور, وبلغت تكاليف هذه المشاريع أكثر من (1.500) مليار وخمس مائة مليون ريال. وفي إشارة مهمة ذكر تقرير وزارة المالية أن صناديق التنمية المتخصصة وبنوك التنمية الحكومية ستواصل تقديم القروض في المجالات الصناعية والزراعية، وستسهم هذه القروض ـ بإذن الله ـ في توفير فرص وظيفية إضافية ودفع عجلة النمو، ويبلغ حجم ما تم صرفه من القروض التي تُقَدَّم من قبل صندوق التنمية العقارية، وصندوق التنمية الصناعية، والبنك السعودي للتسليف والادخار، والبنك الزراعي وصندوق الاستثمارات العامة وبرامج الإقراض الحكومي منذُ إنشائها وحتى نهاية العام المالي الحالي 1430/1431هـ أكثر من (388.400) ثلاث مائة وثمانية وثمانين ملياراً وأربع مائة مليون ريال، ويُتَوَقَّع أن يُصرف للمستفيدين من هذه القروض خلال العام المالي المقبل 1431/1432هـ أكثر من (48.300) ثمانية وأربعين ملياراً وثلاث مائة مليون ريال.
أمّا فيما يتعلق ببرنامج تمويل الصادرات السعودية الذي ينفذه الصندوق السعودي للتنمية فقد بلغ إجمالي المخصص لبرنامج الصادرات الوطنية (غير النفطية) (15) خمسة عشر مليار ريال، وبلغ حجم عمليات تمويل وضمان الصادرات من السلع والخدمات الوطنية منذُ تأسيس البرنامج إلى نهاية العام المالي الحالي أكثر من (13.600) ثلاثة عشر ملياراً وست مائة مليون ريال.
في ضوء الأرقام التي حفلت بها الميزانية، فإننا نستطيع القول إن الميزانية هي مجموعة مشاريع استثمارية هدفها الارتفاع بالمواطن إلى مستويات معيشية أعلى، أو بمعنى آخر أن الميزانية خطة حافلة بكثير من مشاريع التنمية في جميع المجالات، ونتمنى من كل مواطن في أي موقع أن يسهم ـ ولو بجهد المقل ـ في البناء وعمار هذا الوطن الغالي على الجميع.