رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاتحاد النقدي الخليجي والمالية العامة

اعتمد المجلس الأعلى لمجلس التعاون في دورته المنعقدة في المحرم/ كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي اتفاقية الاتحاد النقدي المتضمنة الأطر التشريعية والمؤسسية له, كما اعتمد النظام الأساسي للمجلس النقدي. ووفقا لبيان المجلس الأعلى، سيتبع ذلك إنشاء المجلس النقدي الذي سيتولى استكمال المتطلبات الفنية للاتحاد النقدي والتهيئة لتأسيس البنك المركزي وإصدار العملة الموحدة. وكل هذا له تبعاته على الكيفية التي تدار بها المالية العامة في دول الاتحاد.
والاتحاد النقدي وضع تشترك فيه مجموعة من الدول في عملة واحدة. هذا هو المعنى الغالب والمقصود هنا، وقد يطلق على اتفاقية تقوم على أساس تثبيت أسعار الصرف بين مجموعة عملات، وتدار وفق مجلس أو لجنة. وقد ينشأ الاتحاد النقدي نتيجة تخطيط واتفاقات، وقد لا ينشأ نتيجة ذلك، وعادة بأن تستعمل دولة صغيرة عملة دولة كبيرة، بالنظر إلى اعتماد الأولى على الثانية اقتصاديا إلى حد بعيد.
تثبيت أو استقرار سعر الصرف بين دولتين أو أكثر يتطلب سياسات نقدية متشابهة. حيث يصعب جدا الحفاظ على استقرار سعر صرف بين عملات دول في حال تشديد السياسة النقدية في دول وتراخيها في دول أخرى. وقد كانت هذه مقدمات لتطوير النظام النقدي الأوروبي عبر تطوير آلية سعر الصرف بين عملات الدول الأوروبية الراغبة. وتطوير هذه الآلية وصولا إلى اتحاد نقدي يعتمد نجاحه على حرية حركة رأس المال، وهذه الحرية مطلوبة في السوق الواحدة كالسوق الخليجية، كما يعتمد على استعمال السياسة النقدية لاستقرار الاقتصاد، وعلى استقرار أو تثبيت سعر الصرف. ويمكن لدولة الجمع بين عنصرين من العناصر الثلاثة، ولكن لا يمكن الجمع بين العناصر الثلاثة كلها.
أما أهم متطلبات الاتحاد النقدي بصورة عملة خليجية، فهي:
* بنك مركزي واحد.
* سياسة نقدية واحدة.
* اختيار نظام سعر الصرف.
أهم عناصر خريطة طريق العملة الخليجية اختيار سعر الصرف. ويمكن مناقشة اختيار نظام سعر الصرف نظريا، لبحث تأثيرات سياسات اقتصادية وفق أنظمة سعر صرف مختلفة. ويمكن الدراسة من خلال التعرف على تأثير صدمات تجارية سواء كانت داخلية أو خارجية، وكذلك صدمات العملات الأهم الدولار واليور. وفي كل الأحوال لا يوجد رأي واحد متفق عليه.
ويتركز النقاش حاليا في دائرة دول مجلس التعاون الخليجي على إنشاء العملة الموحدة، وليس على مدى استقرار ورسوخ الاتحاد النقدي. وربما كان أهم سبب النظر إلى التجانس الكبير بين دول مجلس التعاون، ولكن هذه النقطة بحاجة إلى اختبار على المدى البعيد.
ولكن ما أهم المعايير المطلوبة في الاتحاد النقدي؟
الوفاء بالتزامات تخص معدلات التضخم والدين العام (وكذلك الفائض عكس الدين) وأسعار الفائدة والاحتياطي في كل دولة. أما موضوع أسعار الفائدة فسهل نسبيا التعامل معه، بالنظر إلى تشابه أو تقارب أنظمة سعر الصرف بين دول المجلس. وبالنسبة للاحتياطي من العملات الأجنبية، فمطلوب توفير ما يكفي لسداد فاتورة الاستيراد على الأقل أربعة أشهر، دون التأثير في سعر الصرف. ودول المجلس لا تعاني هذه السنوات مشكلة ذات بال في توفير الاحتياطي لتغطية متطلبات الاستيراد.
لكن يبدو أن التضخم مشكلة تواجه الاتحاد النقدي الخليجي، بالنظر إلى الفروق الكبيرة في معدلات التضخم بين دول المجلس. وقد يجادل البعض بأن موجة التضخم مؤقتة، وأن الفروقات بين الدول في طريقها للانحسار.
وخلاف التضخم يضع الاتحاد النقدي قيودا على حدود الدين العام ومن ثم الميزانية العامة. ويعتمد ذلك على تفضيلات البنك المركزي الخليجي المفترض إنشاؤه. وبصفة عامة، يصعب على البنك التساهل مع حكومة تعاني متاعب مالية، ولذا تجنح الدول في الاتحاد النقدي إلى تكوين دين عام أصغر. وعندما يكون البنك المركزي مستقلا عن الحكومات، فيحتمل جدا أن يضع المستثمرون ضوابط أشد في منح الائتمان للحكومات.
وينبغي فهم أن حدود الدولة في الاستدانة تضيق مع الاتحاد النقدي، وإلا كان هناك خطر التضخم. ولكن في حال الدول ذات المديونية العالية فإن الاحتمال الكبير أن تعلن التوقف عن السداد عندما تشترك في الاتحاد النقدي.
وقد يتساهل البنك المركزي المستقل عبر تغيير السياسة النقدية بهدف منح مزيد من التمويل للحكومة. وفي هذه الحالة قد يضع البنك المركزي معدل فائدة (اسمي), ويقابل زيادة نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بإصدار مزيد من النقود من خلال ما يسمى monetisation. والنتيجة ارتفاع معدلات التضخم. ولذا يسعى البنك المركزي تحت نظام الاتحاد النقدي إلى وضع قيود على الدولة في حدود استدانتها. وهناك علاقة بين المديونية العامة وحجم وهيكل القطاع العام وتكوين الإيرادات والنفقات. وهي قضايا مؤثرة في استدامة المالية العامة. وفي نطاق هدف الاستدامة، ينبغي أن تمارس السياسة النقدية بالتناغم مع السياسة المالية، نظرا لأن الأخيرة وسيلة فاعلة لاكتساب الاستقرار في ظل ظروف تتسم بشدة التقلبات الخارجية ذات التأثيرات البالغة الحدة على الأوضاع الاقتصادية المحلية. وجاءت الأزمة المالية العالمية لتزيد من تأكيد هذه النقطة.
ومن جهة أخرى، هناك دين ولكن بالاتجاه المعاكس أي وجود فائض. معروف أن ميزانيات أكثر دول الخليج خلال السنوات الأربع الأخيرة مرت بفائض، ونسبة الفائض إلى الإنفاق تتفاوت بين الدول. وكلما زاد الفائض كان معدل الزيادة في الإنفاق العام أعلى. وهذا يؤثر تأثيرا مباشرا في معدلات التضخم. فمثلا، أحد أسباب كون التضخم في قطر أو الإمارات، مثلا، أعلى من المملكة، أن التوسع في معدلات الإنفاق العام في هاتين الدولتين أعلى من المملكة خلال السنوات 2004 - 2008.
وباختصار، من المفترض أن يقوم القائمون على موضوع الاتحاد النقدي ببحث موضوع تأثير معدلات التوسع في الإنفاق العام على الاتحاد النقدي. وهذا التوسع مرتبط بأسعار النفط المستقبلية المتوقعة، ومرتبط بكون بعض الدول في وضع أفضل من بعض. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي