المسارعة في سن التشريعات والتمويل وتحفيز شركات التطوير أساسيات حل الأزمة الإسكانية
كنا قد عرضنا في الحلقة الأولى من هذا التقرير الأسباب التي تقف وراء تفاقم أزمة الإسكان في المملكة عموماً، وفي الرياض خصوصاً وانعكاسها السلبي الآخر المتمثل في ارتفاع الإيجارات، وذكرنا كيف تفاقمت الأزمة حتى بلغت الفجوة في المساكن في المملكة مليون وحدة في نهاية سنوات خطة التنمية الخمسية الثامنة الحالية ( 2005 ـ 2009م ) بمعدل 200 ألف وحدة سنوياً، بينما هي مرشحة للقفز إلى 4.2 مليون وحدة في عام 2024م، ووفقاً للدراسة التي أجرتها الغرفة التجارية الصناعية في الرياض، نقدم في هذه الحلقة الثانية والأخيرة عرضا لما عالجته الدراسة بشأن اقتراحات الحل لتلك المشكلة التي تلقي بظلالها القاتمة على المجتمع اقتصادياً واجتماعياً، وهنا تعرض الدراسة لبعض التجارب العالمية الناجحة في مواجهة أزمة الإسكان، وتستخلص من واقع الأزمة في المملكة ومن تلك التجارب العالمية مقترحات عديدة للحل.. نعرضها في سياق هذه الحلقة.. فإلى التفاصيل:
عرضت الدراسة عدداً من أبرز التجارب العالمية لحل أزمة الإسكان، وحللت الآليات والوسائل التي اتبعتها الدول صاحبة هذه التجارب، ولاحظت الدراسة أن الدول تباينت فيما بينها في معالجة الأزمة، وأن كل دولة اتخذت ما يناسبها من سياسات إسكانية حسب طبيعة اقتصاديات تلك البلدان، إلا أن معظمها أجمعت على أن الدولة لا تستطيع بمفردها حل مشكلة الإسكان. ولهذا فهي تشجع القطاع الخاص للقيام بالدور الأكبر في هذا الشأن.
ولنجاح القطاع الخاص في القيام بالدور المنوط به، فإنه لابد من تناغم ثلاثة عناصر رئيسية وهي التشريعات والتمويل والتطوير عبر الشركات المتخصصة في مجال الإسكان، كما يمكن للدولة إنشاء مؤسسات حكومية متخصصة في مجال الإسكان الاجتماعي لمحدودي الدخل ومساعدتهم على الاستفادة مما يقدمه القطاع الخاص من برامج إسكانية من خلال تقديم التسهيلات والضمانات والمساعدات المباشرة وغير المباشرة.
تجارب دولية في الإسكان
استعرضت الدراسة تجارب دولية ناجحة في مجال الإسكان حيث اعتمدت الولايات المتحدة في حل مشكلة الإسكان على إنشاء جهاز يتكون من أربع هيئات أو شركات عملاقة تقوم كل منها بدور محدد وتكاملي مع الهيئات الأخرى، ومن تلك الهيئات:
شركة «فاني ماي»: وهي شركة مساهمة عامة، وتعتبر أكبر مؤسسة خدمات تمويل للإسكان غير بنكية في العالم، وقد استطاعت توفير نحو ثمانية تريليونات دولار خلال 30 عاماً واستفاد من خدماتها أكثر من 30 مليون أسرة.
إدارة الإسكان الفيدرالي: تنحصر مهمة هذه الإدارة في التأمين على قروض التمويل التي يقوم الممولون من القطاع الخاص بتقديمها إلى المستفيدين، ومن مهامها أيضاً وضع المقاييس والأنظمة للبناء ولكنها لا تساهم في التمويل أو الإقراض أو بناء المساكن.
مؤسسة فريدي ماك: وهي مؤسسة كبرى وتعمل بتشريعات من الكونجرس وهدفها الأساسي هو ضخ السيولة في السوق لممولي الإسكان ودعم القروض بضمانات حكومية وتوفير وسائل أفضل للتمويل.
مؤسسة البحث والتطوير: وهي المؤسسة القائدة لهذه المؤسسات، وتقوم بوضع السياسات والبرامج الإرشادية للمواطنين فيما يخص الحصول على سكن مناسب يتوافق مع ميزانياتهم. وتقوم بتوفير المنح للبحث والتطوير لنماذج البناء ومواد كود البناء ومراقبة المخزون وإجراء التنبؤات بالأزمات. ولمؤسسة البحث والتطوير صناديقها الخاصة لتمويل نشاطاتها.
ويلاحظ من خلال هذه التجربة أن الدولة لا تتدخل في عملية البناء الفعلي للمساكن بل يترك ذلك للقطاع الخاص من خلال اتحادات وتكتلات العقاريين والمطورين. كما تقوم الدولة بتعليم وتدريب الشريحة المحتاجة إلى السكن على البناء بأنفسهم لاكتساب مهارات المهنة ومن ثم قيامهم بإنشاء شركات مقاولات صغيرة للبناء للآخرين.
التجربة الكندية في الإسكان
وأشارت الدراسة إلى أن التجربة الكندية تعد مثالاً يحتذى به في مجال معالجة أزمة الإسكان فيها، إذ تنبهت من الأربعينيات إلى أن المسكن المريح جزء لا يتجزأ من الخدمات الضرورية التي تقدمها الدولة كالصحة والتعليم والعمل. وأنشأت لهذا الغرض في عام 1946 م مؤسسة الإسكان والرهن العقاري الكندية وهي هيئة حكومية تدار بأسلوب تجاري واستثماري تهدف إلى المساعدة والتشجيع والتحضير من أجل حصول المواطن على مسكن اقتصادي ومريح.
وقد نجحت المؤسسة في تحقيق أهدافها، إذ تمكنت ومنذ بدء نشاطها في مساعدة ثلث السكان في كندا في الحصول على مسكن. وتعد من أقوى المؤسسات الكندية من حيث المركز المالي والقوة النقدية، حيث تبلغ أصولها حالياً 23 مليار دولار ولديها 224 مليار دولار تأمين قروض ورهونات سارية المفعول ويعمل فيها أكثر من 1700 موظف في أنحاء كندا، ويشير نظام هذه المؤسسة إلى أن هدفها الأساسي يتمثل في :
- بناء المنازل وترميمها وتحديثها، وتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في مجال الإسكان خصوصاً لذوي الدخول المنخفضة والطبقة المتوسطة.
- تيسير الإسكان وجعله متوفراً لمختلف شرائح المجتمع واقتراح البدائل والخيارات أمامهم.
- تسهيل التمويل العقاري بفوائد أقل ممَّا هو متاح في السوق.
ونجحت المؤسسة كذلك في تمكين نحو 80 في المائة من الكنديين من الحصول على مسكن خاص بهم عبر استفادتهم من الآليات المتاحة للقطاع الخاص في مجال الإسكان، ويتضح نجاح التجربة الكندية في تكامل وتناغم الآليات الأساسية وهي التشريع والتمويل والتطوير والتشييد ولعل هذه السياسة أدت إلى إتاحة الفرصة لمحدودي الدخل من الحصول على سكن مناسب بأقساط مريحة ولمدة طويلة تصل إلى 30 عاماً، وأن قيمة هذه الأقساط تكاد تقترب من الإيجار الشهري للوحدة السكنية نفسها، وقد نجم عن هذه السياسة تدفق المواطنين على البنوك وشركات التمويل وشركات البناء والتطوير للحصول على سكن في صفقة متكاملة تشمل الأرض والبناء والخدمات المرتبطة بهما.
التجربة الأوروبية
تقوم التجربة الأوروبية على منظومة دراسات الإسكان الأوروبية EHRN. وتتمسك التجربة بعدم تقديم أي دعم مستبطن أو مدفون (دعم شراء الأراضي) لأي من الشرائح الاجتماعية. ولكن في المقابل وفي ظل نظام حرية السوق الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي، فإن هذه المنظومة تقدم نحو 39 دعماً موجها ليس للأفراد ولكن توجه هذا العرض لتنشيط محوري العرض والطلب وذلك من خلال الحوافز والضرائب واللوائح والقوانين.
ولا تتبنى هذه الدول دعم شرائح محدودي الدخل ولا تجيز تقديم الدعم النقدي إلا في حالات محدودة. وينصب جل الدعم في تفعيل دور المطورين وللعقار وتجمعات المستهلكين كالجمعيات التعاونية والمجالس المحلية، وذلك من خلال ضمانات وقروض وتوفير الامتيازات الضريبية وتوفير التمويل لكل فئات المجتمع شريطة توفير الملاءة الاقتصادية للفرد وقدرته على دفع الاستحقاقات المطلوبة منه.
ويمكن إيجاز الدروس المستفادة من هذه التجارب الدولية فيما يلي: يؤدي الدعم المباشر من خلال توزيع الأراضي للأفراد مجاناً أو بسعر رمزي دون مقدرة أصحاب الأراضي على بنائها لانعدام أو قلة التمويل، إلى اضطرار هؤلاء الأفراد إلى تسييل هذا الدعم المدفون وبيع الأراضي للقادرين مما يؤدي إلى احتكار الفئة القادرة الأراضي والمضاربة عليها مما يؤدي إلى رفع أسعارها بصورة غير مبررة، وترك تلك الأراضي في انتظار تصاعد أسعارها سنوياً مع زيادة النمو السكاني وارتفاع الطلب بحيث لا تصبح هذه الأراضي في متناول الأغلبية العظمى من الأفراد مما يفاقم الأزمة ويحولها إلى أزمة اجتماعية واقتصادية خانقة. إن توزيع الأراضي دون معرفة الملاءة المالية للأفراد ودون وجود تمويل كاف لبناء الأرض يؤدي إلى أن تكون هذه السياسة جزءاً من المشكلة وليست جزءاًَ من الحل.
إن توجيه الدعم والحوافز الإعفائية من الرسوم والضرائب للمطورين وشركات التمويل والبناء مع مواكبة تلك السياسات اللوائح والقوانين الصارمة بعيدة عن البيروقراطية ومحاطة بالشفافية والمساواة يؤدي إلى تشجيع هذه الشركات على الاستثمار في بناء المساكن مما يحقق الغرض من هذا الدعم الإيجابي لمشكلة الإسكان.
نتائج الدراسة
أهم النتائج المستخلصة عبر هذه الدراسة يتمثل في الآتي:
1) إن مشكلة ارتفاع الإيجارات ناتجة بشكل رئيسي عن أن العرض لا يلبي الطلب للمساكن وبالتالي ترتفع الأسعار نتيجة لذلك.
2) إن أهم أسباب ارتفاع الإيجارات يرجع إلى عدم توافر الأراضي الجاهزة للبناء وندرة التمويل الإسكاني وارتفاع أسعار الأراضي.
3) أدى ارتفاع الإيجارات إلى ضعف القوة الشرائية لشريحة كبيرة من محدودي الدخل لقلة مواردهم المالية.
4) ارتفاع أسعار مواد البناء نتيجة التضخم العالمي وكذلك المواد الأخرى ذات العلاقة.
5) غياب النظرة الشاملة للإسكان واعتمادها على المبادرات الفردية والتي لا تحقق التوازن بين العرض والطلب.
6) شح آليات التمويل الإسكاني واعتماد الأفراد على صندوق التنمية العقارية والذي زاد الطلب عليه بصورة كبيرة مما أربك عملية التمويل.
7) غياب دور البنوك التجارية في تمويل بناء المساكن وتفضيلها الإقراض الاستهلاكي على العقاري لوجود مخاطر عدم السداد وطول مدة القرض وعدم وجود الضمانات الكافية لاسترداد القروض.
8) تقادم الأنظمة والتشريعات العقارية وتأخر اعتماد النطاق العمراني وتأخير منح التصاديق لتطوير المخططات العمرانية وتعقيد إجراءات فسوحات وتراخيص البناء.
9) أدت السياسات المتبعة في توزيع الأراضي إلى ضعف قدرة شرائح واسعة من ملاك الأراضي على بناء سكن صحي ومريح وحتى مع الحصول على قرض من صندوق التنمية العقاري، مما اضطرهم إلى إهمال الأرض دون تشييد في انتظار رفع أسعارها أو بيعها للقادرين كي يستفيدوا من سعرها في مواجهة تكلفة المعيشة من سكن وإيجار والتزامات أسرية أخرى.
إضافة إلى أن سياسة توزيع الأراضي للسكن المستقل أدت في المدى الطويل إلى امتداد الرياض أفقيا مما باعد بين المناطق والأحياء مع قلة السكان، في حين يقتضي الأمر تبني سياسة التوسع رأسياً لحل ضائقة السكن والاستفادة من المساحات بصورة اقتصادية.
كذلك قلة عدد شركات التمويل العقارية وشركات المقاولات المتخصصة في بناء المجمعات السكنية. إلى جانب وجود مساكن متهالكة أو آيلة للسقوط في مساحات إستراتيجية وسط المدينة دون إعادة تأهيلها أو نزعها وتعويض ملاكها مما أدى إلى زيادة الطلب على المساكن وتفاقم المشكلة.
التوصيات
في ضوء ما تقدم ومن خلال النتائج التي خرجت بها هذه الدراسة العلمية والتجارب الدولية في مسألة الإسكان، فقد اقترحت بعض التوصيات التي تسهم في حل أزمة الإسكان وتتمثل هذه التوصيات فيما يلي:
مجال التمويل العقاري: تعزيز إمكانات صندوق التنمية العقاري وتوسيع خدماته للوفاء باحتياجات محدودي الدخل من المساكن، كذلك الاهتمام بحث البنوك التجارية على تخصيص جانب من أموالها كقروض لتمويل بناء المساكن في ظل ضمانات محددة للسداد من قبل المنتفعين. الاعتناء بتقديم الحوافز اللازمة لتشجيع القطاع الخاص لإنشاء شركات التمويل العقاري والاستثمار في بناء المساكن.
مجال توزيع الأراضي: الدعوة إلى إعادة النظر في السياسات الحالية لتوزيع الأراضي والتأكد من قدرة الأفراد على بناء المسكن. إلى جانب التركيز على تشجيع ملاك الأراضي البيضاء المزودة بخدمات البنية التحتية على سرعة بنائها ومتابعة هذا الأمر.
مجال الإجراءات الإدارية للأمانات والبلديات: توصي الدراسة بأن تقوم أمانات المدن والبلديات بإنشاء وحدات وأقسام خاصة بالمخططات السكنية والأراضي غير المستغلة، لإنجاز المعاملات والخدمات في وقت قصير دون تعقيد وبيروقراطية مكتبية، وهذا يشجع ملاك الأراضي على إنشاء المخططات وبالتالي زيادة المعروض من الأراضي؛ إشراك القطاع الخاص والمكاتب الهندسية والاستشارية مع الأمانات لسرعة إنجاز المعاملات في زمن قياسي مقابل رسوم تشجيعية لملا ك الأراضي لحثهم على عرض مخططاتهم للجمهور وهو ما يسمى بتقصير الظل الإداري؛ الاستفادة من التجارب الأوروبية في مجال الدعم وتقديم الحوافز لتحفيز زيادة العرض من الأراضي، وزيادة الطلب عليها وتفعيل النظم واللوائح الخاصة بذلك.
مجال التشريع واللوائح والقوانين: الإسراع في تطبيق نظام الرهن العقاري وإصدار اللوائح التي يراعى في تنفيذها توفير جميع الضمانات لمختلف الأطراف تفاديا لمشاكل الرهن العقاري والتي كانت سبباً في الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في الولايات المتحدة وتداعت آثارها على الاقتصاد العالمي برمته.
النظر في إنشاء محاكم خاصة بالإسكان لسرعة البت في النزاعات التي تنشأ جراء البيع والشراء وغيرهما من المعاملات التي تخص القطاع السكني؛ إصدار أنظمة جديدة للحد من النزاعات بين المؤجر والمستأجر فيما يخص النسبة المئوية السنوية لارتفاع الإيجار.
مجال التخطيط العمراني داخل المدن: إعادة النظر في نظام البناء والسماح بتعدد الطوابق في المناطق المختلفة وعدم حصرها في شوارع بعينها؛ وتطوير الأراضي من قبل الدولة ومنحها بعد ذلك إذ إن التطوير يكلف المطور مبالغ كبيرة لا تكون متوافرة لديه، وإذا قام بالتطوير فسيحمله على المشتري مما يضاعف سعر الشراء وبالتالي يصعب على شرائح كبيرة شراؤها؛ إعادة النظر في أنظمة البلديات والتي تتعلق بتقسيم الأراضي والعمل على تقليل مساحات القطع لزيادة المستفيدين وتقليل تكلفة البناء وتشجيع بناء المنازل المتلاصقة لتوفير المساحات.
مجال البحوث والإرشاد والتوعية: تكثيف البحوث والدراسات في مجال المسكن الاقتصادي والذي يلائم البيئة مع تطوير مواصفات محلية للبناء ومراقبة الجودة والنوعية، وتشجيع التوسع الرأسي عوضاً عن التوسع الأفقي؛ تشجيع المؤسسات الخيرية والمنظمات التطوعية على بناء مساكن للطبقة الفقيرة، وهو ما يندرج في الوقت نفسه تحت سياسة محاربة الفقر التي توليها الدولة عناية خاصة.
توعية وإرشاد ملاك الأراضي بضرورة محاربة الاحتكار والمضاربة على الأراضي، وترسيخ مفهوم أن الأرض ليست سلعة تجارية ولكنها أصل من الأصول التي يجب أن يحسن استغلالها.