رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لو أن بغلة.. في بحيرة المسك

ضرب ملك الإنسانية أروع الأمثلة في الإنسانية، فكان رحيماً ومحسناً وكريماً، ليس مع أبناء شعبه فقط، بل مع المحتاجين والمنكوبين في أطراف الأرض، بصرف النظر عن أجناسهم وأعراقهم ودياناتهم، وأصبح مضرب المثل في الحوار والتعايش السلمي بين أمم الأرض، فشجع الحوار بين الثقافات، وعزز التواصل بين الأمم، وكذلك أصبح مضرب المثل في مناصرة الحق، فدافع ونافح عن القضية الفلسطينية في كل محفل، ودعم الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين والسودانيين، دون منة، وكان رائداً للتعليم العالي، فأنشأ الجامعات ونشر الكليات في أرجاء البلاد.
ولكنه مع هذه اللمسات الإنسانية، والمبادرات السلمية، والإنجازات التنموية، والأعمال الخيرية، لم يكن هيناً في كل الأوقات، بل يتسم بالحزم في الذود عن حدود الوطن، والصرامة في حماية المقدسات، ومعاقبة الإهمال الذي يُعرض أرواح الأبرياء للخطر.
فأصدر أمراً بتكوين لجنة لتقصي التقصير في حادثة سيول جدة ومساءلة من تثبت علاقته أياً كان. إن هذا منهج في الحكم يذكرنا بمنهج الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما قال: “لو أن بغلة في العراق عثرت لظننت أن الله يسألني عنها”.
إن ما حدث في جدة يُثير الكثير من التساؤلات. فهناك أحياء عشوائية متكدسة بالبشر في أماكن غير مناسبة للسكنى، وتخطيط عمراني ينقصه الإخلاص، وبحيرات مسكٍ تتكون على مقربة من المناطق العمرانية دون اتخاذ إجراءات جادة للتخلص منها، وشواطئ تتلوث في جدة دون اكتراث بمعاناة السكان.
إن إصرار خادم الحرمين الشريفين على محاسبة من تثبت صلته بكارثة جدة لأمر يُشكر عليه خادم الحرمين الشريفين، ومنهج يُسجل له، لن يقتصر أثره على جدة وبحيرات المسك بها، بل سيكون له أثر إيجابي عام، يمتد إلى مناطق أخرى، أينما تتشكل بحيرات من تلوث الضمائر والأنفس، وترخص بها الأنفس البشرية، لقاء مصالح شخصية أو مكاسب مادية، دون رادع ديني أو أخلاقي أو إنساني.
ينبغي أن نستلهم العبرة من كارثة جدة، ونحارب الجشع لدى من يتعدى على مجاري الأودية ويحولها إلى مخططات سكنية أو مزارع خاصة. فكثير من المدن تعاني سوء التخطيط الذي يحدث في بعض الأحيان بحسن نية، أي بسبب عدم مراعاة هذه الأمور، أو مراعاة مصالح خاصة في أحيان أخرى.
في الختام، أدعو إلى إجراء دراسة شاملة من قبل كل أمانة وبلدية، لتحديد الأحياء المعرضة للخطر في مدن المملكة، كما آمل أن يكون المتخصصون كالجغرافيين وكذلك الدفاع المدني جزءاً أساسياً في اعتماد المخططات السكنية، لتكون مواضعها مناسبة من الناحية الطبوغرافية والجيولوجية، ومواقعها بعيدة عن مجاري الأودية، وتخطيطها يسمح بسهولة الوصول في حالات الكوارث أو عند الحاجة إلى إخلاء السكان. ولكن يبقى تساؤل مفتوح حول مدى اضطلاع الجهة التي من المفترض أن تتابع إنجاز المشروعات وترصد الإخلال بالمسؤوليات في المؤسسات الحكومية بمسؤولياتها؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي