إمدادات الغاز الطبيعي في أمريكا وأثرها في المنتجين والمسوقين في العالم
كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية في الولايات المتحدة بدأت تصبح كبيرة ومهمة منذ عام 2000 بالتحديد, خصوصا أن إنتاج الغاز من المصادر التقليدية في الولايات المتحدة بدأ في الانخفاض على مدى العقد الماضي، وبالذات من خليج المكسيك. وأدى ذلك إلى توقع حدوث نقص كبير في الإمدادات المحلية للغاز وزيادة الاستيراد خصوصا من خارج أمريكا الشمالية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي. ولكن كان هناك في الوقت نفسه عوامل أخرى عمدت إلى عكس هذا الاتجاه والتخفيف من آثاره. حيث كان للتقدم التكنولوجي أثر في خفض تكاليف استخراج الغاز من المصادر غير التقليدية، خاصة من السجيل الغازي Shale Gas. وكانت النتيجة طفرة كبيرة في هذا المجال وزيادة في إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية في الولايات المتحدة، لا سيما من السجيل الغازي الذي شهد زيادة كبيرة ابتداء من عام 2007. الأساليب الرئيسة التي أسهمت في هذا المجال هي تقنيات الحفر الأفقي وتقنيات التكسير Fracturing Techniques الحديثة. نتيجة لذلك تضاعفت تقريبا كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية في الولايات المتحدة منذ عام 2000. حيث يمثل الغاز المنتج من هذه المصادر اليوم أكثر من 50 في المائة من مجموع الإنتاج المحلي الكلي للغاز في الولايات المتحدة، حسب إحصائيات وزارة الطاقة الأمريكية US Department of Energy. هذا وتتوقع كثير من الدراسات في هذا المجال استمرار النمو في كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية في السنوات المقبلة، حيث تشير هذه التوقعات إلى أن إنتاج الغاز من هذه المصادر قد يمثل أكثر من نصف الطاقة الإنتاجية الأمريكية للغاز في نهاية العقد المقبل.
إن إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية في الوقت الذي وفر إمدادات جديدة إلى الأسواق، أضاف تحديا جديدا لأسواق الغاز العالمية والتي هي في الأصل تواجه تحديات معقدة خصوصا فيما يتعلق بالموازنة بين العرض والطلب. من المرجح أيضا أن إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية أن يبطئ أو يعكس انخفاض إنتاج الغاز التقليدي في الدول المستهلكة الرئيسة، كما حدث بالفعل في الولايات المتحدة. وهذا من شأنه أن يقلل من الحاجة إلى الغاز الطبيعي المسال.
إن انخفاض الطلب على الغاز ونمو الإمدادات من السجيل الغازي وغيرها من مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية في أمريكا الشمالية، يمكن أن يجعل الولايات المتحدة عمليا مكتفية ذاتيا من الغاز وللمرة الأولى منذ أربعة عقود تقريبا. وقد فاجأ هذا التطور في أسواق الغاز الأمريكية ليس فقط المنتجين المحليين، الذين شهدوا انخفاضا في أسعار الغاز بنحو الثلثين منذ أعلى مستوى وصل إليه في منتصف عام 2008، ولكن أيضا الموردين الخارجيين للغاز الذين استندوا في استراتيجياتهم الإنتاجية إلى تزويد السوق الأمريكية المتعطشة للغاز. كندا، أكبر مورد للنفط والغاز على حد سواء للولايات المتحدة، قد شحنت خلال معظم العقد الحالي نحو 10.0 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز في المتوسط إلى الولايات المتحدة، ولكن الكميات المجهزة من الغاز منذ بداية العام الحالية قد انخفضت بنسبة أكثر من 20 في المائة إلى 7.7 مليار قدم مكعب يوميا، وفقا لإحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، في حين أن حجم المبيعات الأخيرة يمكن أن ينخفض إلى نحو ستة مليارات قدم مكعبة يوميا. مع ضعف الطلب على الغاز وانخفاض أسعاره في كندا أيضا، منتجو الغاز في غرب كندا أغلقوا نحو مليار قدم مكعبة يوميا من طاقتهم الإنتاجية على مدى الشهرين الماضيين، كما قاموا بخفض عمليات الحفر وملئت الخزانات بالكامل. من غير المرجح أن تشهد عمليات الحفر نشاطها التقليدي في فصل الشتاء من هذا العام نتيجة زيادة الطلب على الغاز، من المتوقع أيضا إن إنتاج الغاز من المناطق الغربية من كندا في 2009 سينتهي أقل من 14 مليار قدم مكعبة يوميا، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1993، حسب إحصائيات جمعية المنتجين الكندية.
إن تأثيرات زيادة معروض الغاز في الولايات المتحدة قد انتشرت أيضا خارج كندا، حيث إن المصدرين الرئيسين للغاز الطبيعي المسال, مثل قطر, يجدون صعوبة في إيجاد أسواق جديدة للغاز الطبيعي المسال من المشاريع التي وضعت أساسا لسد حاجة السوق الأمريكية. حتى ترينيداد ‘المصدر الرئيس للغاز الطبيعي المسال للولايات المتحدة منذ مدة طويلة وذلك بفضل قربها منها، تعمد حاليا إلى تزويد أوروبا وأمريكا الجنوبية ببعض الكميات التي كانت معدة أصلا للتصدير إلى السوق الأمريكية. ولكن روسيا كانت الخاسر الأكبر، ذلك إن مؤشر - نفطها لمبيعات الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا قد انخفضت، حيث عمد عملاؤها إلى اختيار الغاز الطبيعي المسال المتوافر في السوق الفورية Spot Market الأرخص، الذي لم تعد الحاجة إليه في الولايات المتحدة. حيث يعتبر هذا التحول المصدر الرئيس للضغط على شركة غازبروم وغيرها من المسوقين الروس للقبول بمؤشر- أسعار نفط Oil-Indexed Pricing معقول أو حتى منخفض.
مع وجود ثلاثة من أصل ستة مشاريع عملاقة جديدة للغاز الطبيعي المسال عاملة الآن، ورابع في المراحل النهائية، شحنت قطر حتى الآن شحنة واحد فقط من الغاز الطبيعي المسال إلى الولايات المتحدة على متن ناقلة الغاز المسال العملاقة التي تم بناؤها لخدمة هذه الطاقات الجديدة. في المقابل عمدت قطر إلى توفير نحو 10 في المائة من سوق المملكة المتحدة على مدى الأشهر القليلة الماضية، ما دفع بكميات الغاز النرويجية والمتوافرة في السوق الفورية خارج بريطانيا إلى شمال غرب أوروبا وخارجها. حتى إن شركة قطر للبترول قامت بتفريغ الفائض من طاقاتها الإنتاجية في مشروع الدولفين، الذي ينقل الغاز إلى الإمارات، إضافة إلى ذلك قامت الشركة مبدئيا خلال تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي ببيع ناقلة ضخمة أخرى إلى الصين، ضمن صفقة توريد طويلة الأجل للصين اعتبارا من عام 2013. هذه الخطوة يمكن أن تجعل الصين بدلا من الولايات المتحدة، أكبر سوق للغاز القطري في العقد المقبل.
ما يهم منتجي ومسوقي الغاز إلى أمريكا في الوقت الحاضر هو ما إذا كان الطلب على الغاز في فصل الشتاء سيقلص ما يكفي من فائض العرض لمنع حدوث انهيار كامل في أسعار الغاز في الربيع المقبل. حتى الآن الاحتمالات لا تبدو مشجعة. حيث إن مخزون الغاز في الولايات المتحدة يدخل موسم التدفئة في فصل الشتاء عند مستوى قياسي أكثر من 3.8 تريليون قدم مكعبة، وفقا لإحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. ويزيد معدل السحب خلال موسم الشتاء قليلا على تريليوني قدم مكعبة، حسب المصدر نفسه، هذا من شأنه أن يترك المخزون عالي نوعا ما عند حدود 1.8 تريليون قدم مكعب في بداية الربع الثاني من العام المقبل. لكن حتى الآن كميات الطلب على الغاز هناك متواضعة، والقلق الكبير هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواجه أي طقس قاس في فصل الشتاء الحالي.