مركزية القرار .. كارثة جدة
تنبهنا كارثة جدة بتجربتها القاسية والمؤلمة بأننا مازلنا نعاني المركزية الشديدة جدا وأن هناك ضرورة ملحة لإعادة صياغة النظام المالي العام الذي تجاوزه الزمن. لم يعد من المقبول والمعقول مع النضج الإداري والسياسي والاقتصادي الذي بلغته الدولة، أن تقوم وزارة المالية وهي جهاز بيروقراطي تنفيذي بأدوار تشريعية ورقابية تفوق بكثير مسؤولياتها وصلاحياتها وطبيعة عملها كوزارة خزانة, وأن تكون المقرر لتوزيع الموارد وتحديد مصادرها! لا شك أنه من الناحية التاريخية وفي مرحلة التأسيس وتوحيد البلاد كان لوزارة المالية دور مميز أسهم في تصريف شؤون الدولة حين لم يكن بعد تشكل كثير من الوزارات، وكانت الأمور أقل تعقيدا ودور الحكومة في الاقتصاد مقتصرا على بسط الأمن والحفاظ على أرواح الناس وممتلكاتهم وتقديم الخدمات الضرورية مثل التعليم والصحة. سر تميزها آنذاك هو تطبيق نهج اللامركزية الإدارية والمالية، فقد منح الملك عبد العزيز - يرحمه الله - أمراء المناطق جميع الصلاحيات في حدود سياساته وتوجيهاته العامة، لإيمانه بأن ''أهل المناطق والمدن أعلم بمصالحهم''، وأن عليهم تحمل مسؤولية تصريف شؤونهم وتحقيق متطلباتهم المعيشية وكيفية تطوير مدنهم والبحث عن الموارد اللازمة لذلك، بينما جعلت الأجهزة المركزية تختص بالقضايا على المستوى الوطني. لقد أدى هذا الوضع الإداري اللامركزي إلى تبسيط الأمور ووضوح وتحديد المسؤوليات وعدم الازدواجية بين الوحدات المحلية والمركزية, ما جعل الأجهزة المركزية وعلى رأسها وزارة المالية تتفرغ لصياغة الاستراتيجيات الوطنية وتناول القضايا الكبيرة على امتداد الوطن واكتفت بلعب دور الداعم والمساند للمحليات، دون التدخل في شؤونها ما مكنها من أن تكون أكثر فاعلية وكفاءة.
ومع تنامي عدد الوزارات وإنشاء مجلس الوزراء في عام 1953م الذي شكل بداية الحياة المؤسسية وتوسع دور الحكومة في الاقتصاد بسبب زيادة العوائد النفطية، أصبح هناك توجه نحو المركزية الإدارية والمالية بهدف تسريع مشروع التنمية الوطنية. وفي ظل غياب المجالس النيابية التشريعية تولت وزارة المالية إقرار المشاريع الحكومية التي هي في جوهرها صياغة للسياسات عامة! وأصبحت تحدد نوع المشاريع وحجمها وتتدخل حتى في أدق التفاصيل الفنية والتخصصية للجهات الطالبة. ومع أن الاقتصاد الوطني حقق نموا كبيرا وهذا مشاهد في ظل الإنفاق السخي للدولة، إلا أنه كان بالإمكان - في كثير من الحالات - أن تكون التنمية أكثر فاعلية وكفاءة واستجابة لمتطلبات السكان واحتياجاتهم، لو لم تكن وزارة المالية الطرف الوحيد في معادلة صنع القرارات التنموية. إن الاعتماد الكبير على وزارة المالية وتملكها جميع الصلاحيات المالية التنفيذية والتشريعية وهي تنظيم بيروقراطي يعتريه من ظواهر النقص والسلبيات ما يعتري جميع البيروقراطيات من البطء في الأداء والاعتماد على الإجراءات الداخلية غير المرنة والتحوصل والانكفاء على الداخل، خلق كثيرا من الصعوبات والتراجع في أداء كثير من الأجهزة الحكومية. عزز ذلك عدم وجود رقابة نيابية على وزارة المالية ما منحها مساحة كبيرة في صناعة القرار العام وأن تتحكم في أداء الأجهزة الحكومية وتسلبها تحديد أولوياتها ومستوى جودة مشاريعها بلغ حد مطالبة الجهات الحكومية بتقليص ميزانياتها بنسبة مئوية ليس على أسس فنية واقتصادية وأولويات وطنية ولكن لأن الوزارة ترى ذلك! أما لماذا؟! فهذا من أخص خصوصيات وزارة المالية ولا أحد يجرؤ على طرحه لأنه غير قابل للنقاش!
النظام المالي بمركزيته الشديدة لا يمنح مجالس المناطق تحديد أولويات الإنفاق لأن الميزانيات تصاغ على أساس القطاعات الحكومية وليس على أساس المناطق. وبالتالي لا تملك مجالس المناطق سوى التوصية دون حول منها ولا قوة. هذا الوضع الإداري والمالي يجعل من الصعب على المجالس القيام بمهامها، كما ينبغي وبما يتوافق مع احتياجات المنطقة وبالتالي لا يمكن تقييم أدائها ومحاسبتها! وعلى المستوى المحلي لا يتيح النظام المالي العام للبلديات ومجالسها المنتخبة تحصيل الموارد المحلية وتنميتها مع أن المادة الأولى من نظام البلديات عام 1978م تنص على أن البلدية جهة اعتبارية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي! وبذلك يكون النظام المالي قد سلب البلديات خاصية صناعة القرار المحلي وقدرتها على معالجة القضايا المحلية. فالإنفاق الحكومي لم يعد فقط لتوفير الخدمات الأساسية وإنما أيضا من أجل التنمية المحلية وتكبير الكعكة الاقتصادية للمدن. ولذا كان من الأجدر أن تحصل الموارد المحلية وتصرف من قبل البلديات لضمان استمرار توليد الدخل المحلي واستدامة قوة اقتصاديات المدن وتطوير قدراتها الذاتية. إن منح البلديات صلاحية تحصيل الرسوم من المبايعات العقارية والزكاة على الأراضي على سبيل المثال قد تكون الضالة التي نبحث عنها في تطوير العمل الإداري المحلي والحاجة إلى منح البلديات الاستقلال المالي والإداري لتتحمل إدارات المدن مسؤولياتها تجاه سكانها وتكون في المحك وتخوض تجربة حقيقية وتكون المعيار للإنجاز والأداء المطلوب اجتماعيا.
إن الإدارات المركزية ترهلت وأنهكها تحمل مسؤوليات عديدة خارج نطاق اختصاصها شملت حتى القضايا المحلية. ما نحتاج إليه هو إعادة التفكير في مركزية القرار المالي وضرورة التمييز بين التمويل المحلي والإقليمي والوطني، كما أنه من الضروري الربط بين الإنفاق والعائد من جهة، والإنفاق ومصادر التمويل من جهة أخرى، وهذا لا يتأتى إلا من خلال التقريب بين قرار التخصيص المالي وقرار الصرف عبر ميزانيات مستقلة تعد محليا، لأن ذلك ادعى للكفاءة والفاعلية والاستجابة للمتطلبات الحقيقية للسكان. إن ما يزيد من مساوئ مركزية النظام المالي التركيز على الإجراءات البيروقراطية دون النظر إلى الأداء, فقد تكون القرارات من الناحية الشكلية صحيحة والمشاريع على الورق منفذة، ولكن لا تحقق إنجازا ولا أهدافا حقيقية والأهم تخذلنا وقت الشدة! إنها تقيد وتعقد العمل الإداري في الأجهزة المحلية وتفرغه من الإبداع والابتكار والمسؤولية. النظام المالي العام متشدد في ظاهره من أجل الحفاظ على المال العام إلا أن من السهل اختراقه بسبب التركيز على تطبيق الإجراءات المعقدة دون ربطها بالنتائج والأداء. إنها مسألة وطنية تحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة للنظام المالي العام والانفكاك من حال المركزية الشديدة حتى نكون كمجتمع أكثر قدرة على التعرف على التحديات الحقيقية ومواجهتها والتعامل معها وتوزيع المسؤوليات والصلاحيات على أساس هرمية المكان ليتمكن كل مستوى إداري من أداء الأدوار التي تتناسب مع نطاقه الجغرافي. في هذا السياق لا بد من منح مجالس المناطق والبلديات الصلاحيات الإدارية والمالية التي تتناسب مع مسؤولياتها ومن ثم محاسبتها على النتائج. هناك ضرورة ملحة لنظام الإدارة المحلية يحدد أدوار وصلاحيات الهيئات المحلية والمناطقية والوطنية والعلاقة فيما بينها، دون ذلك ستتعدد المرجعيات وتتداخل الأدوار لنقع في كثير من الأزمات مثل كارثة أربعاء جدة, وعندها تتفرق المسؤولية بين الأجهزة الحكومية أفقيا ورأسيا ولا ولن نعلم من المسؤول؟!