رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الجمعيات العمومية .. في المؤسسات الصحفية!

يقول علماء الإدارة إن الشركات ذات الجمعيات العمومية القوية .. هي شركات قوية، وإن الشركات ذات الجمعيات العمومية الضعيفة .. هي شركات ضعيفة.
وهذا الكلام ينطلق من أن الجمعيات العمومية هي التي تضع المدخلات في قلوب الشركات، وكلما كانت الجمعيات قوية, أدخلت في أحشاء الشركات قرارات قوية ومشاريع حيوية تعود على الشركة بكثير من النجاحات والخيرات والأرباح.
ومع بداية كل عام ميلادي جديد تبدأ المؤسسات الصحفية في السعودية بالتحضير لعقد اجتماعات جمعياتها العمومية، ونحن في هذه الأيام نقترب من طي عام آفل، واستقبال عام قادم نتمنى أن يحمل معه كثيرا من الآمال والأحلام.
ولكن قبل أن نتحدث عن الجمعيات العمومية في المؤسسات الصحفية نقول إن مفهوم ''الجمعيات العمومية'' في سوق المال والأعمال السعودي مفهوم قلق وغير مرحب به، والسبب أن أكثر من 90 في المائة من الشركات في سوق المال والأعمال السعودي هي شركات عائلية، وتتشكل إداراتها من كبير العائلة (أو كبار العائلة)، وهم بمثابة مجلس الإدارة الذي بيده الأمر والنهي وتحقيق الأرباح، وهذه الشركات الناجحة التي تحقق أرباحاً هائلة لا توجد لها - وفقاً للمفهوم القانوني - جمعيات عمومية تسهم في صناعة النجاح وتحقيق الأرباح.
ولذلك حينما جاء نظام الشركات ثم جاء نظام المؤسسات الصحفية ومجموعة النظم الحكومية التي تتحدث عن تشكيلات الجمعيات العمومية في الشركات والمؤسسات والجمعيات.. بدا مصطلح ''الجمعيات العمومية'' وكأنه ضيف ثقيل يعرقل مسيرة النجاح الذي تحققه الشركات القائمة.
والنتيجة التي مازالت قائمة حتى اليوم - للأسف الشديد - هي أن الجمعيات العمومية في الشركات والمؤسسات تعقد لأنها التزام نظامي وقانوني، ولكنها لا تعقد لأنها ضرورة ملحة للحوار والمشاركة في صنع القرار ووضع خطط النجاح.
ولذلك فإن من أهم أسباب ضعف الجمعيات العمومية في الشركات والمؤسسات الصحفية هو غياب ثقافة الجمعيات العمومية، وهذا الغياب جاء لسببين: السبب الأول، هو عدم تضمين الأنظمة الحكومية مواد نظامية صارمة تتناول أهم الوظائف الاستراتيجية التي يجب أن تقوم بها الجمعيات العمومية للمساهمة في صنع النجاح، ونذكر - على سبيل المثال - إن نظام الشركات ونظام المؤسسات الصحفية اكتفى بوضع سطور قلائل عن دور الجمعية العمومية في المساهمة في بناء الشركات والمؤسسات، والسبب الثاني، أن أداء معظم أعضاء الجمعيات العمومية ضعيف ولم يكن بالمستوى الذي يصنع النجاح ويحقق الأرباح.
دعونا نذكر بعض الأمثلة، إن نظام المؤسسات الصحفية أعطى للجمعية العمومية حق انتخاب و/ أو اختيار المدير العام ورئيس التحرير، وهي من الوظائف العتيدة والمهمة للجمعيات العمومية، ولكن من الناحية العملية والتطبيقية، فإن هذه المادة لم تعد من اختصاص الجمعيات العمومية رغم أن النظام مازال يحتفظ بها، ومن ناحية أخرى فإن إحدى المؤسسات الصحفية دعت أعضاء الجمعية العمومية إلى اجتماع استثنائي لمناقشة مسائل مهمة تتعلق بإيرادات التوزيع والإعلان، ولكن للأسف كان المتجاوبون أقل من 10 في المائة، الأقسى من هذا أن عدداً كبيراً من أعضاء الجمعيات العمومية لا يحضرون الاجتماعات للمشاركة وإثراء الحوار، وإنما يجاهرون علناً بأنهم جاؤوا لتسلم شيكات الأرباح، الأسخم من ذلك أن بعض المديرين في المؤسسات الصحفية يردون على طلبات أعضاء الجمعية بأنهم يتدخلون فيما لا يعنيهم، رغم أن كل شيء في المؤسسة يعنيهم ويعنيهم بقوة، أيضاً من الأشياء المحيرة إن نظام المؤسسات الصحفية ينص على أن الجمعية العمومية هي أعلى سلطة في المؤسسة، وهذا شيء جميل ولكن حينما نأتي إلى الواقع ونأخذ أي مؤسسة صحفية نجد أن الهرم مقلوب وأن الجمعية العمومية هي أدنى وأضعف مستوى في المؤسسة الصحفية، وأن أقوى مستوى في المؤسسة الصحفية هو التحرير، وفي مؤسسات أخرى أن أقوى مستوى هو مجلس الإدارة، وفي الحالتين كأن النظام يقول إن أضعف مستوى في المؤسسة يجب أن يكون الجمعية العمومية! ولذلك فإن المحصلة النهائية لكل هذه التراكمات السلبية هو هذا الضعف المستشري في الجمعيات العمومية الذي تعانيه المؤسسات الصحفية، بحيث نستطيع القول إن مساهمة الجمعيات العمومية في حل مشكلات المؤسسات الصحفية يكاد يكون معدوماً، وهذا ما دفع البعض إلى القول إنهم يأخذون من الأرباح ما لا يستحقون!
وفي مقابل هذا الضعف المؤسسي في الجمعيات العمومية لدينا.. هناك قوة ضاربة في الجمعيات العمومية للشركات والمؤسسات في دول العالم المتقدم تقوم على أساس أن المسؤولية الكبرى في الشركات مسؤولية جماعية مشتركة وليست مسؤولية شخص أو بضعة أشخاص، وإن النجاح يصنعه الجميع والأرباح يستحقها الجميع، بمعنى أن الجمعيات العمومية هي أعلى سلطة قولاً وعملاً وأنها السبب وراء نجاح هذه الشركات العملاقة حتى أصبح كثير منها شركات متعددة الجنسيات، بل أصبح كثير منها من القوة بحيث يسيطر على القرار السياسي في بلاده، أكثر من هذا تستطيع الجمعيات العمومية أن تطيح بمجالس الإدارات وتدعو إلى انتخابات جديدة لانتخاب مجلس يحل محل المجلس السابق إذا دعت الأوضاع إلى هذا التغيير الصارم!
إن أهم وظائف الجمعيات العمومية هو تحقيق مبدأ المشاركة في إدارة المؤسسات والشركات وإبداء الرأي في كل شؤون وشجون المؤسسة واقتراح الخطوط الرئيسة والاستراتيجيات والخطط وتحديد الأهداف، كما أن من أهم وظائفها الرقابة والمتابعة والمحاسبة والمساءلة وترسيخ مبادئ الحوكمة في الشركة، وإذا ما تم أداء هذه الوظائف على الوجه المطلوب، فإن الشركة لا محالة ستقفز من نجاح إلى نجاح.
نقول، إذا كانت المؤسسات الصحفية في حاجة إلى جمعيات عمومية قوية في الماضي، فإنها في أمس الحاجة إلى جمعيات عمومية قوية في الحاضر والمستقبل، لأن التحديات التي تواجه المؤسسات الصحفية في الحاضر والمستقبل أكثر بكثير من التحديات التي كانت تواجه المؤسسات الصحفية في الماضي، ونذكر على سبيل المثال أن المؤسسات الصحفية تواجه تحديات على الوجود أمام الصحافة الإلكترونية، وتواجه تراجعاً ملموساً في إيرادين رئيسيين من إيراداتها وهما إيرادات الإعلانات وإيرادات التوزيع، أيضاً المؤسسات الصحفية تواجه غياب الكفاءات المهنية التي تتطلبها أساليب العمل الجديدة في ظل ثورة المعلومات وتكنولوجيا الإعلام، كذلك فإن المؤسسات الصحفية تواجه منافسة شديدة في العمل الصحفي برمته بسبب دخول وسائل إعلام جديدة بدأت تغير على بعض وظائف الصحافة المقروءة وتحقق كثيرا من النجاحات.
والخلاصة، أن مؤسساتنا الصحفية تحتاج إلى وسائل لتقوية ودعم الجمعيات العمومية، ولكن هذا لن يتأتى من دون تغيير نظام المؤسسات الصحفية من الوريد إلى الوريد.
ولكن حتى نجري عملية بناء نظام جديد لمستقبل الصحافة السعودية، فإن الدكتور عبد العزيز خوجة وزير الثقافة والإعلام يحتاج إلى جلسات طويلة مع الصحفيين أصحاب الشأن لبلورة مجموعة من الأفكار الهادفة إلى وضع بناء جديد لصحافة عصرية تقوم على التكنولوجيا والعلم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي