أمانة جدة: من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها
''لا عذر لكم اليوم أنجزوا مشاريعنا'' هذا ما قاله خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - قبل بضع سنوات مخاطبا الوزراء والمسؤولين التنفيذيين في الدولة، والمثل العربي يقول ''قد أعذر من أنذر''. فما قاله خادم الحرمين الشريفين ليس مجرد شعار خال من مضامينه بل أفعال يعكسها الواقع بكل أمانة. فقد توسعت الدولة في الإنفاق على المشاريع بشكل غير مسبوق، وحصلت جميع الوزارات والمصالح على مبالغ طائلة ومشاريع عديدة كان الهدف منها الارتقاء بالمواطن والوطن. لذلك لم يكن الأمر الملكي بتشكيل لجنة التقصي في كارثة جدة أمرا مفاجئا أو مجرد ردة فعل عاطفية، بل هو انعكاس منطقي لما أكده خادم الحرمين الشريفين في أكثر من مناسبة ويعد مرحلة طبيعية في وقتها الطبيعي، فبعد الإنفاق تأتي المحاسبة الجادة، وقد أنفقت الدولة الكثير لتعمير مدينة جدة, فعندما تأتي أمطار تتبعها سيول – لا توصف بالكارثية – بينما تفشل في مقابل ذلك المشاريع المصممة لمواجهة هذه الأحداث أو حتى التنبؤ بها فإن تقصي الحقائق للبحث عن أسباب ذلك يعد أمرا في غاية الأهمية ويجب تجنيد جميع الإمكانات لنجاحه وهذا كما أعتقد هو فحوى الأمر الملكي الكريم.
لكن يبدو أننا مجتمع عاطفي جدا نتأثر بظاهر الأمور ونحاكم بمجرد آراء وتعليقات قبل أن نستكمل أسباب الحكم ونمتلك أدواته. وبما أن الأمر الملكي الكريم لم يهدف إلى الفوز بكبش فداء لإرضاء مجتمع مصدوم ومصاب، ولكنه وكما قلت يعمل ضمن منهجية واضحة بعيدا عن العواطف الوقتية، لذلك لم يتهم القرار أحدا أو يطلب مساءلة فرد أو جهة بعينها أو يحمل أحدا مسؤولية ما حدث، بل ركز على أن تتولى عملية تقصي الحقائق جهات ذات مسؤوليات وطبيعة إشرافية وتمتلك خبرات رقابية مناسبة، كما أنها تتمتع باستقلال كاف عن جميع الأطراف سواء المتضررة أو المسؤولة. ومع ذلك فنحن نسبق الأحداث ونلقي بالتهم هنا وهناك وهذا – قد – يؤثر في الاستقلال الذهني للجنة تقصي الحقائق.
لست هنا أدافع عن أمانة جدة لكن اللجنة لن تقف عند الأمانة فقط فالأمر أكبر، وإذا كانت الأمانة قد فشلت في إنجاز بعض المشاريع فإن عديدا من المؤسسات الحكومية تورطت في فشل أكبر – على ما أعتقد. فكيف نفشل في التنبؤ بحدث مثل هذا؟ وكيف نفشل في مهمات الإنقاذ واكتشاف مسار السيول والتحذير منها برغم استمرار المطر لأكثر عشر ساعات في منطقة محصورة؟ ولماذا بقي الدفاع المدني يقاتل وحيدا, وأين كانت باقي قطاعات الدولة؟ كيف قامت مخططات وبنيت مدينة في ممرات سيول وأودية ضخمة؟ كيف أقيمت الأنفاق والطرق السريعة في مجاري الأودية؟ كيف لم نحترم التضاريس الطبيعة لبلادنا ثم نطلب منها أن تحترمنا؟ وهل ما حصل في جدة لا يمكن أن يتكرر حدوثه (أو مثيله) في باقي مدننا الصغيرة منها قبل الكبيرة؟ ألم تعان الرياض قبل عدة أشهر من فيضان الأتربة الهائل وبقينا نتساءل كيف لم نعرف؟ ومن خاطر بنا وبأبنائنا للدراسة والعمل في تلك الأجواء الخطيرة؟ من المسؤول, ومن الذي أخطأ؟ ألم يمت عدد من بناتنا بسبب مدرسة متهالكة؟ ألسنا نعاني يوميا من الأخطاء الطبية القاتلة؟ إن العاملين في مشاريع جدة منا ومن أبناء جلدتنا تعلموا في مدارسنا وتخرجوا في جامعاتنا وستراهم في الشمال والجنوب في الشرق والغرب، هؤلاء هم نتيجة طبيعية لأسلوبنا وطريقة عملنا اليومية. إن أكبر بل أخطر متهم في كل تلك القضايا وما سبقها وهي أكثر من أن تحصر في مقال هي طريقة عملنا وأسلوبنا في التوثيق والتقييم والرقابة، في رؤيتنا للجودة والتخطيط الاستراتيجي، ومن ثم الإتقان والإخلاص، في فهمنا وتطبيقنا لشعار ''الله ثم المليك والوطن''. ولهذا الأمر بالذات أقول إن الطريق أمام لجنة تقصي الحقائق سيكون وعرا جدا.
يجب أن نكون واقعيين جدا وعمليين فالمساءلة ليست بتلك البساطة، فالتقصي عن الأسباب والمسؤولين عما حدث في مدينة جدة أمر سيكتنفه كثير من الصعوبات. فالمتهم الرئيس في هذه القضية هو من سيعمل على تعطيل أعمال اللجنة إنه أسلوبنا في الحياة والعمل. في أي عملية مراجعة وبحث وتقص يجب أن يتوافر ما يسمى ''بمسار المراجعة'' وأي عملية تقص تحتاج إلى مثل هذا المسار، لتوضح ذلك سأضرب مثالا: مشروع تصريف مياه السيول الذي كلف 100 مليون ريال وانتهى وتم تسليمه، ثم فشل في أداء مهمته. هذه هي النتيجة الماثلة أمامنا، والآن نريد أن نعرف ونحدد المسؤولية, لذلك يجب أن يتوافر لنا مسار للعودة للخلف، مسار يضمن جمع أدلة ''موضوعية''. ما هي الشركة التي تسلمت المشروع (سنجد عديدا من مقاولي الباطن والله أعلم عن مدى توافر معلومات عنهم)؟ من هم المهندسون الذين تولوا المشروع (وهل تم فصل أو نقل أحدهم وفُقد عنوانه)؟ هل كان بعضهم متعاقدا وانتهى عمله وفقد عنوانه؟ أين الوثائق التي تؤيد عمليات التسلم والتسليم؟ هل هي محفوظة بطريقة سليمة وفي مكان آمن ويمكن الرجوع إليها بطريقة سهلة غير مكلفة؟ هل تم تشكيل لجان وتم توثيق جميع المناقشات والملاحظات حتى العرضية منها وكذلك التحفظات؟ هل جميع هذه الوثائق محفوظة بطريقة جيدة وآمنة؟ هذا المسار من المراجعة يجب أن يقدم أدلة موضوعية وليست مجرد آراء أو ظنونا. هذا مجرد مشروع له وثائق وسجلات فكيف بالموضوعات الأخرى مثل قرارات الإنقاذ والإنذار المبكر وقرارات الإذن بالبناء وقرارات إنشاء مشاريع الطرق والجسور – كقرارات هل تم فعلا دراسة جميع الاحتمالات والبدائل والمخاطر؟ كيف لنا أن نعرف وأين الوثائق التي ستثبت ذلك؟ وبالنظر إلى طريقة عملنا اليومية وفي جميع دوائرنا ومؤسساتنا سنجد أن مجرد التفكير في ذلك المسار يعد أمرا مرعبا, فكيف بالسير عليه.
عندما تحطمت سفينة الفضاء كولومبيا في سماء الولايات المتحدة وهي عائدة من رحلة فضائية قامت ''ناسا'' بتشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق وقد أثبتت تلك اللجنة أن أكبر متهم في تلك القضية هو أسلوب عمل فريق ''ناسا'' وطريقة اتخاذ القرار وتقييم المخاطر، بالطبع تم فصل عدد من الموظفين الذين ثبت إهمالهم, لكن ذلك لم يجعل ''ناسا'' تتنصل من مسؤولياتها تجاه أسلوب العمل. لذا أعتقد أن أكبر إنجاز للجنة تقصي الحقائق هي أن تكشف لنا عن مدى المساوئ الكبيرة في طريقة عمل المؤسسات الحكومية وطريقة اتخاذ القرارات وطريقة تقيميها ثم شجاعتها في تغيير المسار. إن وضع هذا المتهم على منصة العدالة لن يكون عملا سهلا بكل تأكيد ولكن إنجازه سيكون عظيما.