لا ذروة في إنتاج النفط العالمي حتى عام 2030

لقد أشرنا في مقالة سابقة إلى أن بعض المؤسسات والأفراد في الدول الغربية تروج لفكرة ذروة الإنتاج وبداية نضوب النفط، وعلى وجه الخصوص ينشط هذا الادعاء في فترات ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، بالذات عندما تكون متزامنة مع انخفاض في الطاقات الإنتاجية الاحتياطية، زيادة الطلب العالمي على النفط وزيادة التوترات السياسية والجغرافية. بالفعل عندما وصلت أسعار النفط إلى 147 دولارا للبرميل في تموز (يوليو) من العام الماضي، عزا كثيرون هذا الارتفاع إلى شح الإمدادات النفطية بسبب تجاوز حقول النفط الكبرى في العالم ذروة إنتاجها، على حد ادعائهم. بالطبع هذه النظريات عن ذروة الإنتاج وبداية نضوب النفط ثبت عدم صحتها بعد ذلك، عندما انخفضت الأسعار، تراجع الطلب على النفط إلى دون مستويات عام 2005، ارتفعت الطاقات الإنتاجية الاحتياطية إلى أكثر من سبعة ملايين برميل يوميا، خصوصا لدى دول منظمة ''أوبك'' وارتفع المخزون النفطي لدى الدول الصناعية إلى مستويات قياسية.
لكن موضوع ذروة الإنتاج وبداية نضوب النفط عاد أخيرا ليتصدر العناوين الرئيسة لبعض الصحف الكبيرة عندما نشرت صحيفة ''الجارديان'' البريطانية مقالا أشارت فيه إلى أن احتياطي النفط العالمي على وشك النفاد وأن وكالة الطاقة الدولية ''تعلم ذلك جيدا'' لكنها لا تعلنه «خوفا من غضب الولايات المتحدة التي تريد تمديد هيمنتها على مصادر الطاقة في العالم''. وقال الصحافي تيري ماكاليستر في مقال تحت عنوان: ''الولايات المتحدة ضغطت لتحريف الأرقام المتعلقة بالنفط''، إن الوكالة قلّلت من شأن الأرقام المتعلقة بتناقص الإمدادات النفطية مخافة بث الذعر وحالة هلع تدفع البلدان إلى التهافت على شراء النفط. في هذا الخصوص أشار المقال إلى أن الوكالة الدولية للطاقة ستكرر تنبؤاتها السابقة التي مفادها أن إنتاج النفط يمكن أن يرتفع من 83 إلى 105 ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2030، على الرغم من أن اثنين من موظفي وكالة الطاقة الدولية يريان أن هذه الأرقام لا يمكن إثباتها بالاستناد إلى أدلة دامغة, وأن العالم تجاوز الذروة التي يمكن أن يصلها الإنتاج النفطي العالمي, حيث يعتقدان أن الإنتاج العالمي من النفط لن يصل إلى 100 مليون برميل في اليوم في أحسن الأحوال، على حد قول الصحيفة.
هذا وقد نفى رئيس وكالة الطاقة الدولية نوبو تاناكا تقرير الصحيفة واصفا إياه بأنه ''لا أساس له من الصحة''.في هذا الجانب، بينت دراسة حديثة قام بها أحد مراكز البحث الاستشارية الرصينة في مجال أبحاث الطاقة عدم وجود أي دليل على وصول إنتاج النفط العالمي إلى ذروته، ورفض الحديث عن احتمال حصول ذروة وشيكة في إمدادات النفط العالمية. حيث بينت هذه الدراسة حتى في حالة وصول الإنتاج العالمي إلى ذروته فإنه لن يهبط سريعا بعد ذلك, بل سيستقر فترة طويلة من الزمن عند هذا المستوى قبل أن يبدأ في الانخفاض بصورة تدريجية. وتوقعت دراسة مؤسسة كامبريدج لأبحاث الطاقة وصول الطاقة المتاحة من الإنتاج العالمي من السوائل النفطية إلى 115 مليون برميل يوميا عام 2030 ارتفاعا من نحو 92 مليون برميل يوميا الآن. السوائل النفطية تشمل النفط الخام والمكثفات والنفط الثقيل وسوائل الغاز الطبيعي والوقود الحيوي.
أشارت الدراسة أيضا إلى أن التحديات التي تجابه الإمدادات النفطية ليست لها علاقة أبدا بشح الاحتياطي النفطي نتيجة تجاوز حقول النفط الكبرى في العالم ذروة إنتاجها، بل هذه التحديات تعود إلى عوامل سطحية aboveground مثل النمو الاقتصادي، التكاليف، الضرائب، نمو مصادر الطاقة البديلة وأنظمة وتشريعات تغير المناخ، والحصول على الموارد, خصوصا البشرية منها. في هذا الجانب بينت الدراسة أن موجة من حالات التقاعد الوشيكة بين العاملين في صناعة النفط يمكن أن تؤثر سلبا في الإنتاج النفطي العالمي، لكن الصناعة النفطية لها علم بهذا الأمر منذ بعض الوقت، وقد بذلت جهدا لتدريب الكوادر الشابة. كما نوهت الدراسة أيضا على سبيل المثال، بأن بدء الإنتاج النفطي من حقل خريص النفطي العملاق في السعودية أخيرا، على الرغم من أن المناخ الاقتصادي غير مستقر بعد، يعد تطورا مشجعا في هذا المجال.
بخصوص الإمدادات العالمية المحتملة من مصادر النفط غير التقليدية، أشارت الدراسة إلى أن الإنتاج من مصادر السوائل غير التقليدية، مثل النفط الثقيل جدا (الرمال النفطية والسجيل النفطي) وسوائل الغاز الطبيعي والوقود الحيوي، ستكون عنصرا رئيسيا في الإمدادات في المستقبل، مما سيجعلها تشكل نحو 23 في المائة من إجمالي الطاقة الإنتاجية للسوائل النفطية في عام 2030، مقارنة بـ 14 في المائة فقط في الوقت الحاضر.
أما بخصوص نسبة تهاوي إنتاج النفط العالمي Decline Rate، قدرت الدراسة أن نسبة تهاوي إنتاج النفط السنوية في الحقول المنتجة في العالم تقدر حاليا بنحو 4.5 في المائة، الجدير بالذكر أن هذا المعدل كان مستقرا إلى حد ما على مدى السنوات الماضية، لكن قد يزداد شيئا فشيئا مع مرور الوقت، وأيضا نسبة الاستخلاص القصوى للحقول النفطية ستستمر في الزيادة. كما أن تقريرمؤسسة كامبريدج لأبحاث الطاقة أشار إلى أن الحقول العملاقة في العالم لا تزال في حالة جيدة. حيث إن الإنتاج الحالي من هذه الحقول العملاقة يشكل أكثر من 60 في المائة من الإنتاج العالمي للنفط، وإنها ليست في حالة انخفاض حاليا، كما أن نحو 60 في المائة من النفط القابل للاستخراج فيها لا يزال متاحا للإنتاج، وفقا للتقرير.
بعد عام 2030 تقر الدراسة أن العرض سيستمر في مواكبة الطلب على النفط لكن بصعوبة، مع ذلك لا تتوقع الدراسة أي سيناريو مقلق في هذا الجانب. حيث نوهت الدراسة بأن هناك بالفعل شواهد في الوقت الحاضر على ''ذروة في الطلب على النفط'' في بلدان منظمة التعاون والتنمية، وأن شيئا من هذا القبيل قد يحدث في نهاية المطاف في العالم النامي أيضا. في هذا الخصوص توقعت الدراسة أن العالم سيشهد يوما ما ذروة في الإنتاج العالمي من النفط، لكن هذه الذروة ليست بسبب شح الإمدادات والاحتياطيات النفطية وإنما ستكون بسبب وصول الطلب العالمي على النفط إلى ذروته. تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الاستنتاج قد نوهنا عنه في مقالة سابقة، وهو يتطابق أيضا مع رأي منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) في هذا المجال.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي