مقدار ضئيل من التوافق.. أخيرا

مقدار ضئيل من التوافق.. أخيرا

يبدو الأمر مستبعدا ولكنه قد يكون صحيحا. فهناك مجموعة من مؤيدي السلام الأيرلنديين، من كلا جانبي جزيرتهم المقسمة، تزعم أنها حققت تقدما نادرا الشهر الماضي نحو إقناع العراقيين العرب والأكرادبتسوية خلافاتهم، التي تهدد بجر الدولة مرة أخرى إلى أجواء العنف وإراقة الدماء التي سادت فيها قبل ثلاث سنوات. وبإشراف أحد الجنوبيين الإفريقيين الذي ساعد على التوفيق بين سكان جنوب إفريقيا من البيض والسود، تمكنت مجموعة من أعضاء البرلمان العراقي من إتقان آليات تقاسم السلطة بين الأكراد والعرب والتركمان في منطقة كركوك المتنازع عليها. وإذا تمكنوا من الاستفادة من هذا الزخم بعد الانتخابات العامة التي يتوقع إجراؤها الآن في منتصف شباط (فبراير) ''لم يتم إجراؤها في موعدها في كانون الثاني (يناير)''، قد يتم أخيرا تحقيق قدر ضئيل من التوافق الفيدرالي- مما سيعود بالنفع على جميع العراقيين.
وأحد الاقتراحات التي يمكن تناولها هو إنشاء مجالس مختلطة، على الأقل لبعض الوقت، لإدارة المقاطعة. وهناك فكرة مثمرة أخرى هي إنشاء إطار دائم للمحادثات يضم المؤيدين من الخارج لمختلف المجتمعات العراقية.
وكان الاجتماع الأخير تحت رعاية أحد نائبي الرئيس العراقي، عادل عبد المهدي، العربي الشيعي الذي يقال أحيانا إنه قد يكون رئيس الوزراء التالي. ويتوقع إجراء المزيد من هذه الاجتماعات. وتكثفت جهود أخرى لحل مشكلة كركوك، تحت رعاية كل من الأمريكيين والأمم المتحدة. وفي الثاني والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر)، أجرت وحدات من الشرطة الفيدرالية العراقية ورجال الدرك الأكراد، المعروفين باسم Zeravani، تدريبات علنية معا للمرة الأولى. ومن المأمول أن تبدأ هذا الشهر دوريات حراسة ثلاثية حول كركوك، حيث ستشرف قوات أمريكية على القوات الكردية وقوات الحكومة.
وفي الوقت نفسه، يقوم الموظفون في بعثة الأمم المتحدة في بغداد بوضع قوائم للتنازلات المحتملة التي قد ترضي جميع الأطراف. وفي البرلمان، هناك حديث عن تشكيل مجلس حوار لحل النزاعات حول الأراضي، وتحديد دور القوات العسكرية الكردية (المعروفة باسم البيشمركة)، وتقاسم عائدات النفط، وتسوية الوضع الدستوري لكردستان، والاتفاق على سجل الناخبين.
وقد جاءت زيادة النشاط هذه في وقتها تماما. فالتوتر بشأن كركوك يزيد سوءا. وعلى الرغم من أن بقية العراق أكثر هدوءا بكثير، إلا أن العنف على طول الحدود العربية الكردية (''خط الزناد'') في ازدياد. ويحدث المزيد من العنف هناك، بمعدل هجمات يبلغ 130 هجوما شهريا، أكثر مما يحدث في بقية مناطق العراق معا. علاوة على ذلك، فإن التوتر بين العرب والأكراد يؤثر سلبا في السياسة في بغداد.
لقد بدأ الوقت في النفاد. وبحلول الصيف المقبل، ستكون معظم القوات الأمريكية، التي تحفظ السلام في كركوك، قد ذهبت. وقد لا يكون لدى القوات المتبقية القوة الكافية لإخماد الحرائق. ولكن ربما هناك فرصة تلوح في الأفق. فبعد الانتخابات العامة العام المقبل، سيساوم السياسيون في العراق بشأن تشكيلة وبرنامج الحكومة المقبلة، وربما يدوم هذا لأربعة أو خمسة أشهر. وقد يكون تناول مشكلة كركوك جزءا من أي صفقة. ويقول معظم الغرباء الذين يشاركون عن كثب في مشكلة كركوك إنه لا يمكن حلها على مراحل بل فقط في إطار صفقة كبيرة.
ومعظم العراقيين من غير الأكراد - العرب الشيعة والسنة والتركمان (سلالة الأتراك العثمانيين الذين ظلوا لقرون عديدة يحكمون ما يعتبر العراق الآن) - يعارضون بشدة ما يعتبرونه مطالب الأكراد المتطرفة، خاصة رغبتهم في السيطرة على كركوك. في الآونة الأخيرة، شكل القادة العرب والتركمان في كركوك جبهة انتخابية لمواجهة التفوق العددي للأكراد منذ أن استعادوا المقاطعة في أعقاب الإطاحة بصدام حسين من قبل الأمريكيين عام 2003. ويصر العرب والتركمان على أن المدينة، التي يعتقد أنها تضم الآن نحو 850.000 شخص، لا يجب أن تكون أبدا جزءا من أي منطقة كردية مستقلة. وليس هناك الكثير من المسائل الأخرى التي توحد غير الأكراد بهذه الصورة الحماسية. ولا شك أن رئيس الوزراء العراقي الذي يسلم المدينة سيفقد منصبه. ويعارض جيران العراق أيضا، خاصة تركيا ولكن إيران أيضا، بشدة فكرة أن يسيطر الأكراد على كركوك، خشية أن يعزز ذلك النزعة الانفصالية الكردية في ديارهم.
إلا أن الأكراد عنيدون بالقدر نفسه. فهم يصفون كركوك بأنها القدس الخاصة بهم. وربما أصبح سياسيوهم في أربيل أكثر تعنتا منذ أن خسرت الأحزاب التي كانت مهيمنة منذ زمن طويل في الانتخابات الإقليمية هذا الصيف لصالح مجموعة جديدة تسمى Goran (التغيير) التي تعزف على الوتر القومي وفي الوقت نفسه تهاجم الفساد. وقد صعد مسعود بارزاني، رئيس المنطقة، وجلال طالباني، الرئيس العراقي الذي يدير أحد الحزبين الكرديين الرئيسيين، التصريحات الساخنة حول كركوك.
وللأكراد حق أخلاقي قوي في المطالبة بالمقاطعة. فخلال عقدين من التعريب القسري تحت رئاسة صدام حسين، تم طرد نحو 250.000 من السكان الأكراد من كركوك. ولا يعترف الكثيرون بوحشية هذه الجريمة. وإذا اعترفوا بذلك، قد يكون التوصل إلى تسوية أسهل. فعلى سبيل المثال، يمكن للأكراد على الأقل النظر في اقتراح الحكومة العراقية بإنشاء مجلس بلدي وتقسيم المقاعد بالتساوي بثلاثة طرق لمدة محدودة (على وجه الدقة، 32 في المائة لكل من المجموعات الرئيسية الثلاث، و4 في المائة لأصغر الأقليات، مثل المسيحيين). ويقول إياد السامرائي، العربي السني ورئيس البرلمان في بغداد: ''سيعطي هذا جميع الأطراف وقتا للاعتياد على الوضع الذي لا يوجد فيه أي فائز واضح''.
وقد اقترح صناع السلام الأيرلنديون، من بين أمور أخرى، ''خريطة طريق'' مفصلة نحو تقاسم السلطة يمكن أن تؤدي إلى إدارة متعددة الأعراق. وعلى الرغم من أنه من المفهوم أن هذا النظام سيكون مؤقتا، إلا أنه سيصبح راسخا بالتدريج، كما يأمل المتفائلون.
ولكن يجب على الأكراد التخلي عن طموحهم بجعل كركوك جزءا فوريا ولا يتجزأ من كردستان المستقلة. ومن شأن هذا الاقتراح أن يثير غضبهم. فقد كانت مدينة كركوك ذات أغلبية كردية في السابق. وقد سفكوا الكثير من الدماء حين خسروها وحين سعوا لاستعادتها ثانية. إلا أن البديل - وهو حرب مع العرب قد تجتذب الدول المجاورة - ستؤدي بالتأكيد إلى خسارة الأكراد على المدى الطويل، على الرغم من أنهم أفضل تسليحا من أي وقت مضى.

هدية وداع لأوباما
إن الأمريكيين هم الوحيدون القادرون على إقناع الأكراد بتغيير رأيهم. وقد نفد صبر الممثلين الأمريكيين في بغداد مع الأكراد، حيث يعتقدون أنهم بالغوا في مطالبهم في السنوات الأخيرة. ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين: ''ولكن لم يواجه أحد من الأمريكيين بارزاني ويقول له إنه لا يمكنه الحصول على كركوك''. وفي الماضي، كان الأمريكيون متعاطفين مع الأكراد، إلا أن صبرهم بدأ في النفاد الآن.
وربما يحث نائب الرئيس الأمريكي، جو بيدن، الذي يعتبر الرجل الأول لباراك أوباما في العراق، بارزاني بعد الانتخابات العراقية على التخلي عن فكرة كركوك التي يسيطر عليها الأكراد فقط. وقد يتم اقتراح أن يكون للمقاطعة وضع خاص - مؤقتا على الأقل. ومقابل التخلي عن الأرض، قد يحصل الأكراد على صفقة أفضل فيما يتعلق بالنفط في منطقتهم.
هل سيستمع بارزاني؟ يحتاج الأكراد إلى رعاية أمريكا أكثر من أي وقت مضى الآن بما أن جنودها ستغادر العراق وبما أن خصوم الأكراد في بغداد سيتمتعون بحرية أكبر. وقد يكون الجزء الأخير من الدبلوماسية الصعبة جدا في العراق الذي يقع على عاتق أمريكا

الأكثر قراءة