لا عملة خليجية العام القادم
من المشكوك فيه جدا أن تصدر عملة خليجية العام القادم أو حتى العام الذي يليه، بل حتى من المشكوك أن تستكمل خطوات الاتحاد النقدي الخليجي العامين القادمين. ومفهوم الاتحاد النقدي هو وضع تشترك فيه مجموعة من الدول بعملة واحدة. هذا هو المعنى الغالب والمقصود هنا، وقد يطلق على اتفاقية تقوم على أساس تثبيت أسعار الصرف بين مجموعة عملات، وتدار وفق مجلس أو لجنة. وأقوى من الاتحاد النقدي الاتحاد الاقتصادي والنقدي، حيث يتم تنسيق السياسات الاقتصادية أيضا بين تلك الدول. وقد ينشأ الاتحاد النقدي نتيجة تخطيط واتفاقات، وقد لا ينشأ نتيجة ذلك، وعادة بأن تستعمل دولة صغيرة عملة دولة كبيرة، بالنظر إلى اعتماد الأولى على الثانية اقتصاديا إلى حد بعيد.
وأهم المعايير المطلوب توافرها في الاتحاد النقدي الوفاء بالتزامات تخص معدلات التضخم والدين العام (وكذلك الفائض عكس الدين) وأسعار الفائدة والاحتياطي في كل دولة.
أما موضوع أسعار الفائدة فسهل نسبيا التعامل معه، بالنظر إلى تشابه أو تقارب أنظمة سعر الصرف بين دول المجلس. وبالنسبة للاحتياطي من العملات الأجنبية، فمطلوب توفير ما يكفي لسداد فاتورة الاستيراد على الأقل أربعة أشهر، دون التأثير في سعر الصرف. ودول المجلس لا تعاني هذه السنوات من مشكلة ذات بال في توفير الاحتياطي لتغطية متطلبات الاستيراد.
لكن يبدو أن التضخم هو أكبر مشكلة تواجه الاتحاد النقدي الخليجي، بالنظر إلى الفروق الكبيرة في معدلات التضخم بين دول المجلس. وقد يجادل البعض بأن موجة التضخم مؤقتة، وأن الفروقات بين الدول في طريقها للانحسار. ولكن من يدري عن المستقبل؟ وللفائدة، يجب أن يكون معدل التضخم في كل دولة من دول الاتحاد النقدي الخليجي ضمن 2 في المائة من المعدل الموزون للجميع. ويصبح السؤال عن مدى الالتزام بهذا القيد.
ويرتبط التضخم المحلي المنشأ أكثر ما يرتبط بالسياسات النقدية والسياسات المالية. وهنا لابد أن أشير إلى أربع نقاط هي، أولا: لزوم وجود إطار مؤسسي وحوكمة governance للتأكد من تناغم وشفافية القرارات في ممارسة السياسة النقدية. وقد تلجأ دول المجلس إلى التنظيم المؤسسي من خلال مرحلتين أو أكثر، مثلا بوضع سلطة مالية خليجية ثم البنك المركزي الخليجي.
ثانيا: الحاجة ماسة إلى رفع جودة البيانات وتبادلها وشفافيتها. وثالثا: الحاجة إلى بناء قانوني متين. ورابعا: عمل بناء بنية مالية، مثل نظام الدفع، وارتباط الأسواق المالية.
وخلاف التضخم يضع الاتحاد النقدي قيودا على حدود الدين العام ومن ثم الميزانية العامة. ويعتمد ذلك على تفضيلات البنك المركزي الخليجي المفترض إنشاؤه. وبصفة عامة، يصعب على البنك التساهل مع حكومة تعاني من متاعب مالية، ولذا تجنح الدول في الاتحاد النقدي إلى تكوين دين عام أصغر. وعندما يكون البنك المركزي مستقلا عن الحكومات، فيحتمل جدا أن يضع المستثمرون ضوابط أشد في منح الائتمان للحكومات.
كما أنه لابد من حسم أمور أخرى ترتبط بالاتحاد النقدي وإصدار عملة خليجية. فلابد أولا من وجود بنك مركزي واحد يدير سياسة نقدية واحدة، كما من المحتم الاتفاق على نظام سعر الصرف والتي تعتبر من أهم عناصر خريطة طريق للعملة الخليجية. وهناك نحو تسعة أنظمة صرف، من حر تماما إلى مثبت تماما، وبينهما درجات.
وقد سئلت عما إذا كانت هناك عملة قوية وعملة غير قوية لدول المجلس، فنفيت ذلك، لأنها كلها (باستثناء عملة الكويت وبصورة جزئية) تخضع لنظام سعر صرف ثابت إزاء الدولار. ولذلك فالمتوقع أن تأخذ قضية تثبيت سعر الصرف أقوى مناقشة. هناك من يدافع عن استمرار دول الخليج في تثبيت عملاتها بالدولار بسبب أن النفط مسعر بالدولار. التثبيت بالدولار يسهل المواءمة أو المطابقة بين إيرادات الحكومة المقوم غالبها بالدولار، والعملة المحلية كالريال. لكن هذه الحجة معارضة بمستقبل الدولار المتوقع: انخفاض قيمته وهيمنته. كما أنها تتجاهل التذبذب الحاد في أسعار النفط، مما يلغي عمليا فائدة المطابقة، بمعنى أن التثبيت لا يساعد على تخفيف تذبذب الإيرادات من النفط، بل يحصل العكس، حيث يزيد من حدة تذبذب إيرادات الحكومة ومشكلات المالية العامة. فمثلا، المحافظة على استقرار سعر الصرف حينما كانت أسعار النفط متدنية رغم أنها ساهمت في زيادة القوة الشرائية للريال، وانخفاض التضخم آنذاك، إلا أنها ساهمت أيضا في انخفاض الإيرادات النفطية الحكومية بالريال، ومن ثم خفض الإنفاق الحكومي، وخاصة على المشاريع وصناديق التنمية.
نحن نعايش أزمات اقتصادية أحد أسبابها خفض الإنفاق الاستثماري الحكومي خلال العقد الماضي والخلاصة أن الاقتصاد النفطي يدفع سعرا باهظا للمحافظة على استقرار سعر الصرف. وكانت هذه النقطة موضع بحث ودراسة جهات أكاديمية وبحثية.
وعلى هذا نفهم أن المشكلة تكمن في وقوع اختلاف مصالح وتباين ظروف بين دول العملات المتبوعة (كالدولار)، ودول العملات التابعة (كالريال). كلما اتسع الخلاف في المصالح وازداد تباين الظروف، كلما زادت التكلفة على دول العملات التابعة. ولذا لا يمكن أن تصدر العملة الخليجية بمنحى عن وجود حلول واضحة ترضي جميع الأطراف وتحمي مصالحهم قدر المستطاع وتحقق للجميع النفع.
ستعمل العملة الموحدة على التسهيل النسبي للتجارة البينية وتحريك المال بين تلك الدول، وتسهم في زيادة تكامل الاقتصادات الخليجية. بالمقابل، وجود العملة الواحدة يضعف نسبيا قدرة كل دولة على التحرك بما يتلاءم مع ظروفها – يمكن تشبيه ذلك بتخيل قدرات دبي التصرف لمعالجة آثار الأزمة المالية العالمية في اقتصادها لو أنها كانت تملك عملة خاصة بها، مقارنة بالوضع الحالي. وبالله التوفيق،،،