رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


متى العودة لنظام الساعات في جامعاتنا؟

إن نظام الساعات نظام يتلاءم مع الطبيعة البشرية، ويُوفر خيارات متعددة أمام الطالب، ويُعطي مرونة كبيرة للاستفادة من أعضاء هيئة التدريس، بل يُتيح الفرصة أمام الطالب للتزود بالمعرفة والمهارات من خلال إمكانية الدراسة في أقسام علمية متعددة. إن هذا النظام يعتمد على مبدأ توفير الخيارات أمام الطالب، في حين يقوم النظام الفصلي أو السنوي على مفهوم القوالب الجاهزة أو المجموعات المغلقة التي قد لا تتناسب مع رغبات جميع الطلاب واحتياجاتهم أو حتى إمكاناتهم، مما يحد من استفادتهم من الإمكانات المتوافرة في الجامعة. لذلك يُعتقد أن النظام الفصلي لا يتلاءم مع ظروف جميع الطلاب، مما يؤدي إلى إخفاق بعضهم، أو تردي تحصيلهم، وانخفاض معدلاتهم الأكاديمية.
نعم إن النظام الفصلي يُقولب العملية التعليمية ويُلغى مفهوم الخيارات المتاحة أمام الطالب، مما يلغي إشراك الطالب أو الطالبة في اتخاذ القرارات التعليمية الخاصة به أو بها، ويُسهم في إعداد برامج فقيرة لا تستفيد من الإمكانات المتاحة في أقسام الجامعة خارج القسم الواحد، ويؤدي هذا النظام إلى تقوقع الأقسام الأكاديمية العلمية على نفسها، فلا يُتاح لطالب الطب أن يستفيد من مقررات في علم النفس أو الحاسب الآلي، ويُحرم طالب السياسة من الاستفادة من مقررات الجغرافيا السياسية، أو طالب القانون من دراسة بعض المسائل الطبية، أو طالب التاريخ من التعرف على جغرافية المملكة والعالم، وهكذا. وعلاوة على ذلك فإن النظام الفصلي يتطلب تشغيل جميع أعضاء هيئة التدريس في كل فصل دراسي، حتى لو انخفض عدد الطلاب في مقرر أو مجموعة مقررات إلى طالب واحد، مما يحتم – في بعض الأحيان - تكليف عضو هيئة تدريس غير متخصص لتدريس مقررات في تخصص عضو آخر، نتيجة تمتع الأخير بإجازة تفرغ علمي أو غيابه لفصل دراسي في مهمة علمية. والأهم من ذلك، أن النظام الفصلي لا يتيح فرصة أمام الطلاب للدراسة بنظام التفرغ الجزئي الذي قد يكون الأنسب لظروفهم التي لا تسمح لهم بالحضور الدائم، مما يحرم بعضهم من مواصلة دراستهم الجامعية أو يشجعهم على التواصل مع الجامعات الوهمية للدراسة بالمراسلة أو بتجميع الخبرات.
وفي المقابل، إذا كان نظام الساعات شائعاً في معظم الجامعات العالمية، وقد أثبت جدواه خلال السنوات والعقود الماضية، فلماذا نتردد في تطبيقه؟ هل جامعاتنا الموقرة تعتقد بأن لديها ''خصوصية'' تجعلها مختلفة عن جامعات العالم؟ لقد ظُلم نظام الساعات، واتهم بما ليس فيه، لأنه يُوفر مرونة كبيرة، ويُتيح خيارات أكبر من النظام الفصلي المطبق حالياً، ليكون أكثر ملاءمة للطلاب والطالبات على حد سواء. فنظام الساعات ليس ملائماً للطلاب فقط دون الطالبات، بل إنه نظام تعليمي لا يشترط أن تمتد الدراسة حتى المساء، فالمرونة التي يوفرها النظام تُتيح للأقسام اختيار الأوقات التي تبدأ عندها الدراسة وتلك التي عندها تنتهي، وكذلك اختيار عدد الساعات الاختيارية والحرة.
إن نظام الساعات يُتيح فرصة لبناء برامج تعليمية قوية وغنية تتناسب مع احتياجات الطلاب ومتطلبات أسواق العمل، ويُتيح فرصة للتعاون بين الأقسام العلمية وبناء الجسور فيما بينها، بل يُسهم في تعظيم الاستفادة من الموارد المادية والبشرية من خلال تكامل هذه الأقسام. إن نظام الساعات يُتيح مجالاً رحباً لإيجاد تخصصات مشتركة وتخصصات فرعية تساند التخصصات الرئيسة. فعلى سبيل المثال، قد يقوم طالب الإعلام بالتسجيل في تخصص فرعي في الجغرافيا السياسية لتمكينه من فهم أبعاد القضايا الدولية، أو في تخصص فرعي في اللغة العربية لتعزيز مهاراته اللغوية التي تُعد ضرورية للصحافي أو المتخصص في الإذاعة والتلفزيون، أو في تخصص فرعي في الطب أو العلوم ليصبح صحافياً متخصصاً في العلوم أو الطب.
في ضوء النهضة الهائلة التي يشهدها التعليم العالي بقيادة خادم الحرمين الشريفين - يحفظه الله، آمل أن تستفيد جامعاتنا الموقرة من تجارب الجامعات العالمية، وأن تنظر بجدية في تطوير نظمها التعليمية، وتدرس جدوى التحول إلى نظام الساعات، أقول ذلك وأنا متفائل، لوجود قيادات متميزة تدير مؤسسات التعليم العالي في بلادنا، وتسعى للرقي بها إلى مستويات عالمية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي