غرق جدة الإداري.. غياب لنظام الإدارة المحلية؟!
ما حدث في محافظة جدة كان متوقعا, بل ستتكرر الأزمة مرة أخرى لأن مثل هذه المشكلات تتطلب وقتا طويلا لمعالجتها بقدر الزمن الذي تراكمت فيه عبر سنين طويلة من اللامبالاة والتراخي والفساد الإداري. ولعلنا الآن استوعبنا الدرس في أن بناء المدينة وتطويرها لا يأتي بين عشية وضحاها ولا عشوائيا ولا اعتمادا على خطط ورقية وتقارير تزين بها الرفوف وتتصدر صفحات الجرائد ووسائل الإعلام. جدة غرقت برشة مطر لأنها كانت غارقة إداريا وأخذت على حين غرة لأن الجميع يعمل وهو يتمنى الأفضل دون التحسب للأسوأ. ومسألة تمني الأفضل لا تعني هنا النظرة الإيجابية المتفائلة، وإنما أمنيات وردية وأحلام يقظة لا علاقة لها بالواقع, وإنما هي مجاملة لصاحب القرار بإخفاء العيوب وغض الطرف عن الأخطاء وتصريحات رنانة للاستهلاك الإعلامي وحسب. ولعله كان هناك اعتقاد في أن ما لا يرى يمكن تمريره تماما مثل بعض المشاريع التحتية التي كلفت مئات الملايين من الريالات ومع هذا ما زالت المدن تعاني قصورا في شبكة الصرف الصحي وضعفا في تصريف مياه الأمطار وشح المياه. هذه المشكلات ليست وليدة اليوم وإنما رافقت المدن منذ نشأتها وصارت تكبر وتتضخم مع نمو المدن (ولا أقول تطورها). لم يكن هناك توازن بين معدل زيادة عدد سكان المدن واتساعها ومعدل تقديم الخدمات العامة الذي كان أبطأ بكثير ولم يساير المتغيرات السكانية وأنماط الاستهلاك. وهذا دليل على أن هناك فشلا أو على أقل تقدير قصورا في تخطيط المدن لتنتفخ وتتضخم سكانيا وعمرانيا لكن دون بنية تحتية وفوقية كفؤة – إن وجدت - لا شك أن هناك فسادا إداريا أسهم في تفاقم المشكلة وربما كان السبب الرئيس، إلا من الضروري النظر للمشكلة نظرة عميقة وشمولية تساعد في فهم لماذا استشرى الفساد الإداري، حيث منح الفرصة لضعاف النفوس تحقيق مصالحهم الذاتية على حساب المصلحة الوطنية؟، ولماذا حتى في ظل قيادات إدارية صالحة وفاعلة هناك بطء في تنفيذ المشاريع وعدم مسايرتها لمستوى الطلب المتزايد عليها؟ ولماذا لم يتم كشف الأخطاء والتعرف عليها في وقتها ومن ثم تعديلها في حينها؟ أين مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية من كل ذلك؟ هل يقع اللوم على البلديات فقط دون القطاعات الحكومية الأخرى؟ هل يمكن تحديد المسؤول؟ وهل سيتم محاسبته؟ الإجابة على هذه التساؤلات تتطلب مناقشة النظام الإداري الحكومي وتحليل أسلوب صناعة القرار العام وتحديد القصور ومكمن الخطأ لأن ما حدث في جدة هو عرض لمشكلة أكبر وأعم ، ولذا يتحتم مواجهة المشكلة بشفافية وبحكمة وبسعة أفق وتناول جذورها ومسبباتها الرئيسة. يلزم أن تكون مأساة جدة إنذارا لإدارة المدن السعودية يؤخذ بجدية في إعادة النظر في النظام الإداري والمالي الحكومي.
إن المشكلة الإدارية التي نعانيها على المستوى الوطني تتمحور حول نقطتين رئيسيتين المركزية الشديدة وبيروقراطية دون رقابة اجتماعية، فما زال هناك مركزية شديدة على الرغم من إنشاء وتفعيل مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية. فقد ظلت هذه المجالس مجرد هياكل إدارية دون صلاحيات وسلطات تمكنها من أداء وظيفتها وتحمل مسؤولية تحقيق مصالح المجتمعات المحلية. لقد تم اختزال دور الإدارة المحلية على المستوى الإقليمي (المناطق) وعلى المستوى المحلي (المحافظات) في الاقتراح والتوصية دون استقلال إداري ومالي يجعل من الصعب تحديد المسؤولية ومن ثم المحاسبة. ما يجب الالتفات إليه هو أن الوظيفة الرئيسة للإدارة المحلية هو صناعة القرار المحلي عبر هيئات محلية منتخبة تدير الشأن المحلي بجميع قطاعاته وتكون مسؤولة عن التنمية المحلية وصياغة مستقبل المنطقة والمحافظة. ما زال لدينا منظور ضيق للامركزية الإدارية باختزالها داخل إطار الجهاز الحكومي دون تناولها على مستوى نظام الإدارة العامة بتحويل صلاحيات صناعة القرار من الحكومة المركزية إلى هيئات محلية مستقلة إداريا وماليا. وإذا كانت المناطق والمدن أكثر دراية بالشأن المحلي وأكثر حرصا على المصالح المحلية كان من المفترض أن تكون هي المسؤولة عن إدارة الشأن المحلي, إضافة إلى أن القضايا المحلية متداخلة ومتشابكة ولا يمكن معالجتها مجزأة عبر القطاعات الحكومية المختلفة. هناك ضرورة لوضع سياسات محلية شاملة تسهم في التصدي للتحديات الصعبة والمعقدة التي تواجهها المجتمعات المحلية وترسم مستقبلها. واقع الحال يكشف لنا هذا التشرذم الإداري والافتقار إلى التنسيق فهذه القطاعات الحكومية المختلفة تستبيح شوارع المدن في الحفر والدفن مرة تلو الأخرى، فما أن تنتهي وزارة من مشروعها إلا وتبدأ الأخرى وهكذا يتم تعطيل مصالح الناس وتفاقم مشكلة الازدحام المروري وتشويه الشوارع على مدار السنة ولربما تعطيل الخدمات الأخرى. المدن تحتاج لمنظومة إدارية متكاملة وإدارة شاملة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري ودون ذلك سيكون من الصعب تحديد المسؤولية وتقييم الأداء ومن ثم المحاسبة.
النقطة الرئيسة الثانية في الوضع الإداري الحكومي هو الاعتماد على التنظيم البيروقراطي ومنح البيروقراطيات العامة كامل الصلاحيات التنفيذية والتشريعية. هذا التركيز للسلطتين التنفيذية والتشريعية في جهة واحدة يؤدي إلى تفرد البيروقراطيات بالسلطة ومن ثم غياب التوجيه والرقابة والمساءلة الاجتماعية. فالبيروقراطيات (الوزارات وفروعها) تعمل ما تشاء تشريعا وتنفيذا دون الأخذ في الحسبان الرأي العام المحلي وبالتالي لا تستجيب الخدمات العامة لاحتياجات السكان كما ونوعا وجودة. لم يعد مقبولا تقديم الخدمات على أسس بيروقراطية وإجراءات داخلية بطيئة وجامدة لا تستجيب للمتغيرات والمستجدات والاحتياجات الحقيقية للسكان. هناك قضايا مهمة بأهمية ما حدث في جدة تتعلق بالتلوث البيئي والفقر الحضري والازدحام المروري والمخدرات والبطالة والإسكان وجميعها قضايا محلية وتتطلب حلولا محلية إلا أنه يتم التعامل معها على المستوى المركزي لغياب هيئات محلية تتصدى لهذه القضايا. هذه المشكلات خرجت من رحم الأحياء السكنية وهي في جوهرها وطبيعتها محلية ولا يمكن لأولئك القابعين في مكاتبهم آلاف الكيلو مترات عنها تفهمها واستيعابها, بل لا يملكون الوقت والرغبة والتخصصية وهكذا لا يتم التعامل مع هذه المشكلات في وقتها لتتحول إلى طود عظيم وأزمة كبيرة يتم تصعيدها على المستوى الوطني تماما كأزمة فيضانات جدة.
في ظل هذا الوضع الإداري المتشرذم والاعتماد الكبير على البيروقراطية دون رقابة اجتماعية ستتكرر الأزمات, خاصة أن وقع المتغيرات يتسارع ويتطلب إدارات محلية وإقليمية قادرة على الاستجابة لها بكفاءة وفاعلية وهذا لا يتأتى إلا من خلال صياغة نظام للإدارة المحلية ينص على إنشاء هيئات محلية في المدن والمناطق ذات استقلال إداري ومالي وتوحيد مرجعياتها وتحديد مسؤولياتها وتمنح سلطة التشريع ووضع السياسات المحلية العامة وتكون مسؤولة عن تحقيق مصالح المجتمعات المحلية. هذه الهيئات المحلية ستزيد من فاعلية الرقابة الوطنية وتضييق نطاق الإشراف والضبط الاجتماعي ومعرفة مكامن الخطأ وتقييم الأداء ومحاسبة المقصرين. جدة ليست حالة استثنائية ولن تكون الوحيدة ولذا من الضروري تصحيح وضعنا الإداري والانتقال إلى عمل مؤسسي أكثر نضجا يتيح صناعة القرار ذي الشأن المحلي محليا.