المرافعة الأولى .. أمام اللجنة السداسية الملكية

الصرف الصحي .. خمسون عاماً وما زلنا ننتظر!

إذا جاز لي أن أترافع أمام اللجنة الملكية باسم جدة المكلومة، فإن أول قضية أترافع عنها هي قضية شبكة الصرف الصحي، وأترك لغيري أن يخوض في مشروع دراماتيكي آخر واسمه شبكة تصريف مياه الأمطار والسيول وسلسلة مشاريع المخططات التي اعتمدت فوق بطون أودية مجرى السيول، فهذه الملفات تحتاج إلى معالجات مستقلة. إن مشاريع شبكة الصرف الصحي في مدينة جدة لها روايات مريرة وقصص طويلة بدأت منذ 50 عاماً ونيف، وما زال المشروع لم ينته ويبدو أنه لن ينتهي!
في عام 1960 أرست الحكومة أول مشروع للصرف الصحي في تاريخ مدينة جدة على الشركة الألمانية (إياها!) وهي شركة أصبحت معروفة عند جميع أجيال أهالي جدة، لأنها ما زالت حتى الآن تأخذ قطعة من كيكة المناقصات وتنام عليها كما تنام السلحفاة على روثها.
كنا قبل نصف قرن نسكن وسط البلد، وكانت الشركة تدق الأرض في أزقة جدة بمعولها المزعج من الصباح وحتى تباريح المساء، ويوم ذاك أمرت معاول الشركة الألمانية التي كانت تضرب الأرض بقسوة سكان جدة بأن يلغوا نوم القيلولة.
وكان السكان راضين بما أملته الشركة عليهم طالما أن النهاية هي الانتهاء من بناء شبكة الصرف الصحي وإلغاء نظام “الدبولة” الذي كان أحد أبشع ملوثات البيئة في نظام البناء التقليدي القديم.
وحينما بدأ تنفيذ مشروع شبكة الصرف الصحي في عام 1960 قيل لنا إننا سنبقى على هذا الحال ثلاث سنوات، ولكن بعد ذلك ستنعم جدة بشبكة صرف صحي مدى الحياة.
ومرت سنة وثانية وثالثة، ثم كرت السنوات حتى تجاوزت العشر سنوات، وفجأة توقف المشروع واختفى من ساحة مشاريع جدة، وبعد سنوات ظهر المشروع مرة أخرى واستكمل حتى غطى نحو 8 في المائة من مساحة جدة البالغة 900 كم2.
وحينما انقضت 20 عاماً على المشروع فوجئنا بتصريح صحافي لوزير الشؤون البلدية والقروية يقول إن الدولة تفكر جدياً في إعادة دراسة المشروع لأن قطر مواسير الشبكة التي تم تنفيذها 25 سم، وهذا غير كاف لأن المدينة تنمو بشكل دراماتيكي وإن الوزارة بصدد وضع دراسة جديدة ومشاريع جديدة للصرف الصحي.
بمعنى أن الـ 20 سنة من عمر المشروع ذهبت وانقضت دون فائدة تذكر، وأن الوقت قد حان لنبدأ من جديد وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا!
وخلال العشر سنوات التي تلت الـ 20 الأولى كانت مصلحة المجاري تنفذ شبكة كبيرة من مواسير الصرف على الطرقات الرئيسة، اتضح أنها - وفقاً لما عرضه المهندس زكي الفارسي أمام الأمير نايف في الاجتماع الشهير الذي عقد بمقر غرفة جدة - مشروع فقط لتخفيض منسوب مياه المجاري الناتجة من البيارات القابعة تحت مباني المدينة، وكانت للأسف تصب في البحر مباشرة دون أي معالجة مما يعنى تدمير البيئة البحرية وتلويث الأسماك التي يتغذى منها الناس.
وخلال هذه المرحلة اكتشفت الوزارة بعض التقصير والانحراف في تنفيذ المشروع وشكلت لجنة فنية للتحقيق، وفعلا أوصت اللجنة بتغيير رئيس المصلحة، ثم عرض الموضوع على ديوان المظالم لاستكمال التحقيقات.
وحينما تسلم الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز - يرحمه الله - مهام منصبه كأمير لمنطقة مكة المكرمة أحس بخطورة الصرف الصحي الذي بدأ يتسلل إلى أساسات العمائر ويهدد البيئة في كل المدينة، ورأى سموه - رحمه الله - أن تؤسس شركة قابضة تتولى تنفيذ سلسلة من مشاريع الصرف الصحي بصورة فورية وبعيداً عن الروتين، وأدلى بتصريحات صحافية متفائلة جداً جاء فيها أن مشروع الصرف الصحي سوف يشارف نهايته في غضون خمس سنوات، ولكن وزارة التجارة لم توافق على تأسيس الشركة فأجهض المشروع وهو لا يزال في مهده.
وحينما تولى الدكتور غازي القصيبي الوزارة أخذ على عاتقه اتخاذ خطوات شجاعة وجريئة ووقع مجموعة من العقود مع عدد من الشركات التي باشرت تنفيذ الشبكة في بعض الطرق الرئيسة وبعض الطرق الفرعية، وفجأة انسحبت بعض الشركات وخفت وتيرة تنفيذ المشروع وما زال ينتظر مرحلة جديدة من مراحله المريرة والممتدة لـ 50 عاماً خلت.
المهم، ما أود أن أقوله في هذه المرافعة أمام اللجنة الملكية الموقرة إن الحكومة لم تبخل على مشروع الصرف الصحي في مدينة جدة وصرفت دم قلبها لتمديد شبكة الصرف الصحي، ولكن مرت 50 عاماً وصرفت مليارات الدولارات ومع ذلك لم نر شبكة للصرف الصحي قد بدأت العمل لتنقذ هذه المدينة الناعمة والناعسة من سلسلة كوارث قاتلة ومدمرة.
وما أود أن أقوله في نهاية هذه المرافعة إنه لو تم تنفيذ شبكة الصرف الصحي لما احتجنا إلى بناء سدود بحيرة المسك، ولأنقذنا جدة وطرقها ومبانيها من كارثة إذا وقعت ــ لا سمح الله ــ فإنها سوف تدمي قلوبنا جميعاً.
والطرح الأخير هل ما زلنا نحتاج إلى وقت لننتهي من مسرحية شبكة الصرف الصحي في مدينة جدة، أم أن الـ 50 عاماً الماضية كافية ولا نحتاج إلاّ إلى بضع سنوات ننهي هذه المسرحية التي بدأت تحمل معها عفن الفساد والقذارة؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي