الأفكار الكربونية !!

في واقعنا العربي.. يؤمن البشر بأن الله خلقهم مختلفين في الصورة والقوة والصحة والذكاء..الخ، لأن الدلائل المادية تؤكد على هذا التنوع والاختلاف،ولكن في مجال اختلاف الرأي الذي هو انعكاس طبيعي لاختلاف التركيبة العقلية الفكرية والنفسية، لا يكاد المرء يلمس أثراً لهذا الإيمان إلا في حالات نادرة ومتباعدة، الأمر الذي يعطى دلالة واضحة على ضعف ثقافة التعاطي مع المنتج الفكري للآخر بالمناقشة والنقد والتحليل، إذ ننطلق في برامجنا التعليمية والتدريبية والتثقيفية والإدارية من خلال هذا التصور الضيق، الذي يُحجم إلى أبعد مدى دور المُتلقي أو المُتعلم أو المُنفذ، بما يجعله في الحقيقة مجرد آلة تنفذ بلا وعى أو استمتاع.

الطفل العربي يولد بملكات ومواهب وطاقات هائلة، تبرز في نشاط بدني مذهل، وفى محاولات دائمة وحثيثة على الاتصال بالعالم المحيط، وفى قدرة ملفتة على التعلم والتلقي والمشاركة، لكن الشيء المؤسف حقاً أن تشهد تلك الملكات تراجعاً متصلاً كلما تقدم الطفل بالعمر، حتى تصل إلى مرحلة الضمور في المرحلة التي يجب أن تكون متقدة ومتوهجة، ذلك لأن الطفل في البيت وفى المدرسة وفى غيرهما يظل وعاء يدلى كل فيه بدلوه، تحت مبررات التربية والتكوين والتدريب، والحقيقة أن لدى مجتمعاتنا حين تعلم أو تربى رغبة دفينة في جعل الطفل نسخة مكررة من أبيه في البيت أو معلمه في المدرسة، في مشهد يجسد نوعاً من الأنانية الفكرية، التي تفضح ادعاءات الكمال في البيت وفى المدرسة وفى كافة دور التعلم.

معنى ذلك أننا نضرب سجناً شاهق الأسوار حول ملكات الإبداع ونحن نعتقد أننا نعلم أولادنا الفضيلة والسير على طريق الآباء والأجداد، لأننا ببساطة صممنا قوالب فوضعنا فيها عقولهم، أو أننا صدرنا لهم أفكاراً معلبة لا يجوز لهم مناقشتها أو نقدها.

وهنا ننشئ بأيدينا جيلاً هشاً غير مستعد لتحمل المسئولية أو اتخاذ القرار، ويظل دائماً في انتظار التعليمات التي تسقط عليه من أعلى كي يتحرك ويعمل، وما يترتب على ذلك من ضياع للوقت وتعطيل لطاقات، كان من الأجدر أن تمنح قدراً يتناسب مع مؤهلاتها وقدراتها للتصرف في ظل المواقف التي تتطلب مرونة وقدرة على التعامل مع الحدث الراهن.

إن الخروج من شرنقة الأفكار القديمة لا يعد خروجاً على التقاليد، بل أضحى الآن ضرورة عصرية ملحة من أجل التطوير والتحديث، ولا مانع من أن يُتخذ القديم قاعدة للانطلاق إلى أفاق الإبداع، لا أن يكون سجناً نحبس فيه عقولنا، في الوقت الذي يشهد العالم جديداً في كل ثانية.

* باحث في علم الإحصاء

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي