السوق المالية السعودية بين دبي وجدة
يبدو أن عودة سوق الأسهم السعودية إلى العمل بعد إجازات العيد ستصبح عادة تملؤها المفاجآت فلا تزال السوق تلعق جراحها بعد انهيارها عندما عادت من إجازة عيد الفطر مع أخبار انهيار بنك ليمان برذرز الأمريكي عام 2008، وها هي اليوم تعاود الافتتاح وأيضا بعد العيد مع أخبار واحتمالات عديدة لموضوعين في غاية الأهمية، كارثة جدة وشركة دبي، وبعد أن كان من المتوقع أن تأتي العودة مع بعض الحذر الذي ظهرت معالمه واضحة في تعاملات ما قبل الإجازة فقد رن جرسه اليوم بشكل أكثر إزعاجا.
فقبل الإجازة ساد السوق حذر – اعتبرته طبيعيا في حينه وإن بدا مبالغا فيه - أدى إلى تقلص قيمة وعدد الصفقات وإن لم يصاحبه تراجع شديد غير متوقع في الأسعار. كان مصدر الحذر – فيما ''كنت'' أعتقد – هو اقتراب إعلان الشركات لنتائجها المالية عن الربع الرابع وكذلك النتائج المالية عن العام المالي 2009م. فهذه النتائج تأتي مع موجة من الشكوك حول القطاع البنكي بشكل خاص من حيث حجم مخصصات الديون المشكوك في تحصيلها نتيجة لموجات الأزمة المالية المتتابعة وتوقعات بتعثر عديد من الشركات ورجال الأعمال في تسديد التزاماتهم لهذه البنوك. فتأثير هذه المخصصات في السوق يأتي من أمرين في غاية الأهمية، الأول يتعلق برقم صافي الأرباح وربحية السهم، فزيادة هذه المخصصات بشكل أكبر من توقعات السوق سيكون له أثر سلبي في صافي الدخل المتوقع وبالتالي تقييمات السوق - وخاصة المؤسسات الاستثمارية والصناديق – لعوائد الاستثمارات في هذا القطاع وجدواها المستقبلية، وبالتالي فقد يتم اتخاذ قرارات سريعة بتغير المراكز تتبعها موجات من التصحيح السعري ليتناسب مع التوقعات الجديدة. الأمر الآخر يتعلق بتقدير قدرة البنوك على ضخ تسهيلات للسوق ورجال الأعمال لتمويل الاستثمارات أو إعادة تمويلها, وكذلك تمويل عملية تغيير المراكز مما قد يقلص السيولة ويحد من مرونة السوق تجاه التصحيح, إن حدث. لهذا كان الحذر الذي ارتسم على محيا السوق في عمليات ما قبل الإغلاق للإجازة طبيعيا ما لم يكن هناك تسريبات حول قرار شركة دبي العالمية، حيث بالغت السوق في حذرها قبل العيد وعكست مسارها الصاعد الذي سلكته لأكثر من شهرين. ما أخشاه أن عمليات تغيير المراكز قد تمت فعلا وبقي على الصغار تجرع معاناة الخبر وللكبار اقتناص فرصة تخبطهم العشوائي.
لن أتطرق لمناقشة أسباب وخلفية مشكلة ديون شركة دبي العالمية فقد سبقني إلى ذلك وبشكل محترف الدكتور حمزة السالم في مقاله يوم السبت الماضي, بل يهمني تتبع أثرها في سوق الأسهم السعودية وردة الفعل المتوقعة منها. وإذا كان السؤال الذي يحتاج إلى تأمل بسيط هو هل كانت المؤسسات الاستثمارية الكبيرة والصناديق المتخصصة (وبعضها يعمل في جميع الأسواق العربية تقريبا ومنها سوق دبي) عاجزة عن التنبؤ بقرار شركة دبي؟ فبالعودة للتحليل الرائع الذي قدمه الدكتور سالم, وكذلك حالة سوق العقارات في دبي وتوقف مشاريع كثيرة هناك ومنها مشاريع حكومية مهمة جدا بل ومع توقعات أن تواجه حكومة دبي عجزا كبيرا في ميزانيتها فإن التنبؤ بطلب إعادة هيكلية الديون أمر في المتناول تقريبا هذا إذا استبعدنا قدرة بعض كبار المتداولين في السوق على الوصول لتسريبات مهمة في المعلومات قبل صدورها. من هنا هل كان التراجع قبل إغلاق السوق تعبيرا عن تغيير المراكز لتجنب مفاجأة دبي؟ بهذا الخصوص هل نتوقع ردة فعل معقولة للسوق السعودية أم أنها ستتبع ما حصل في الأسواق العالمية وتتراجع بشدة؟ لقد كانت ردة فعل الأسواق العالمية غريبة جدا وخاصة أن طلب عادة الهيكلة يطول شركات وليست دولة, كما أنه لا يمس القدرة التمويلية للنظام البنكي لحكومات العالم ونظمها المالية، حيث إن عمليات التمويل وقيمة السندات موزعة بين عدة بنوك موزعة حول العالم وليست مركزة في جهة واحدة وخسائر إعادة الهيكلة وفقا لهذه الصورة يمكن تحملها فلماذا المبالغة في ردة الفعل وهل ''سيفرض'' علينا أن نسلك الطريق نفسه؟
ومع مشكلة دبي تأتي مشكلة كارثة جدة، وبعيدا عن الخسائر في الأرواح الزكية التي نسأل الله أن يتقبل غرقى المسلمين شهداء عنده، إلا أن الخسائر المادية تظل ضخمة جدا وتقديراتها بالمليارات. من المحتمل أن تتأثر سوق الأسهم بموقف شركات التأمين. ومع أن هناك جدلا حول إمكانية دفعها للتعويضات كون هذه الكارثة طبيعية إلا إنني أتوقع وجود رقم لا يستهان به من أصحاب التأمين الشامل حتى ضد الكوارث وخاصة تأمين شركات تأجير السيارات وتأمين عقود الإيجار المنتهي بالتمليك. من هنا أتوقع تأثيرا مهما على قطاع التأمين، حيث ستقوم السوق بإعادة تقييم ربحية هذا القطاع وبالتالي تصحيح أسعاره. ورغم كل هذه الأحداث المهمة فإنني أتمنى من صغار المستثمرين الهدوء وعدم التورط بقرارات عشوائية ومجرد ردة فعل مرجعها الخوف واتباع سياسة إيقاف الخسائر والقطيعة ومن ثم صيدا سهلا للكبار. فالسوق السعودية تقف على أكتاف اقتصاد متين وحقيقي وإن بدا ريعيا وحتما ستجد السوق طريقها لتعكس هذه المتانة. من المهم في هذه الأوقات التمسك بالقواعد الأساسية في التداول وعدم التورط باستثمار أموال لا يمكن تحمل خسارتها وعدم التورط أيضا بإعادة تمويل الاستثمارات وتغير المراكز عن طرق التسهيلات والقروض, وإن بدت مغرية.