التخلي عن دعم البنزين .. دعم الطاقة قد يصل إلى 150 مليار ريال
تطرقت ''الاقتصادية'' خلال الشهر الماضي، إلى سياسة دعم البنزين والتي تكلف الاقتصاد المحلي وخزانة الدولة مبالغ ضخمة. ووفرت المملكة دعماً قوياً لأسعار الوقود المحلية بما في ذلك البنزين خلال تاريخها الطويل، بغض النظر عن مستويات الأسعار العالمية. وتبنت المملكة عددا من الاستراتيجيات لدعم الحركة التنموية ورفع مستويات المعيشة لسكان المملكة، والتي من ضمنها خفض أسعار منتجات الطاقة. ويعزز دعم أسعار منتجات الطاقة القدرة التنافسية للقطاعات الاقتصادية المحلية، وخصوصاً في بداية مراحل التنمية. ويستهدف الدعم خفض تكاليف المدخلات لرفع ربحية القطاعات الإنتاجية وجذب الاستثمارات الأجنبية وتحفيز الاستثمارات الرأسمالية. وقد نجحت هذه الاستراتيجية في دعم حركة التنمية الاقتصادية، كما نجحت في خفض تكاليف المعيشة لجميع سكان المملكة. وتسربت آثار دعم أسعار منتجات الطاقة إلى جميع القطاعات الاقتصادية مخفضةً تكاليف الإنتاج التي تتحملها الصناعات الوطنية والقطاعات الاقتصادية الأخرى، كالزراعة والتجارة والنقل والمواصلات والسياحة. وفي تقديري، أن تثبيت أسعار منتجات الطاقة عند المستويات الحالية وعند الأسعار العالمية للنفط السائدة حالياً أدى إلى خفض عام لتكاليف إنتاج السلع والخدمات في المملكة بما يقارب 15 في المائة. وأسهم هذا الخفض في دعم قدرة الصناعات الوطنية على منافسة الصناعات الأجنبية في داخل المملكة وخارجها. كما أدى خفض أسعار الطاقة إلى خفض تكاليف المعيشة بنسب تراوح ما بين 5 و10 في المائة. وفي المقابل تولد عن الدعم الكبير لأسعار منتجات الطاقة تشوّهات اقتصادية أهمها تزايد معدلات استهلاكها بمعدلات قوية، وخفض الإيرادات الحكومية، وخفض قيمة صادرات المملكة والتي تشكل الطاقة معظمها، ورفع مستويات التلوث. وأدى تزايد الاستهلاك المحلي السريع لبعض منتجات الطاقة مثل البنزين إلى تولد عجز في تلبية الطلب المحلي مما اضطر المملكة إلى استيراد بعض من هذه المنتجات وبأسعار عالمية مرتفعة وبيعها بأسعار منخفضة. وضاعف استيراد البنزين وبعض المشتقات النفطية من تكاليف دعم منتجات الطاقة، وأساء إلى ميزان المدفوعات الخارجية. كما نتج عن تدني أسعار منتجات الطاقة في المملكة مقارنةً بالدول المجاورة تسرّب (تهريب) المنتجات النفطية لهذه الدول، ولا يعرف حجم هذا التسرب، وإن كان يؤمل بأن يكون محدوداً. وكانت صحيفة ''الاقتصادية'' قد فتحت نقاشاً موسعاً حول دعم أسعار الطاقة بشكل عام قبل عدة أشهر، وفتحت خلال تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2009م ملفاً حول دعم أسعار البنزين المحلية. وورد في أحد المقالات أن مقدار الدعم الضمني للوقود يبلغ 30 مليار ريال، وأعتقد أن هذا الرقم يقل عن الواقع بكثير. وقد يصل مقدار الدعم الضمني المقدم لدعم أسعار الطاقة المتدنية في تقديري إلى نحو 150 مليار ريال، وذلك عند أسعار النفط الحالية التي تتجاوز 70 دولاراً للبرميل. ويذهب ما لا يقل عن 40 مليار ريال من هذا المبلغ لدعم أسعار البنزين المنخفضة التي لا تكاد تغطي تكاليف الإنتاج والتصفية والنقل والتوزيع. ولا يتم رصد مبالغ الدعم لأنه خارج ميزانية الدولة ويستقطع قبل تحويل إيرادات النفط. ويقدر حجم الدعم بالمبالغ الناتجة عن ضرب فروقات الأسعار العالمية والمحلية لمنتجات الطاقة بحجم الاستهلاك المحلي. وتجاوز معدل الاستهلاك المحلي من المنتجات النفطية والغاز الطبيعي في عام 2008م ثلاثة ملايين برميل يومياً. واستفاد سكان المملكة بدرجات متفاوتة من الدعم الضخم المقدم على شكل أسعار متدنية، فالعلاقة الإيجابية بين حجم استهلاك الطاقة والدخل مكّنت ذوي الدخول المرتفعة من الاستفادة من الدعم بدرجة أكبر، كما استفاد منه بدرجة أكبر ملاك عوامل الإنتاج بسبب خفض الدعم لتكاليف الطاقة المستهلكة في إنتاج السلع والخدمات مما رفع دخولهم بشدة. أما بالنسبة للقطاعات الإنتاجية فقد استفادت القطاعات الاقتصادية كثيفة الاستهلاك لمنتجات النفط والغاز بدرجة أكبر من القطاعات الاقتصادية الأخرى. ويأتي قطاع البتروكيماويات في مقدمة المستفيدين من الدعم، مما رفع من مستويات تركز الصناعات كثيفة الاستهلاك للنفط والغاز. أما استفادة عامة السكان والشرائح السكانية منخفضة الدخل فهي محدودة.
ويتضح حجم الدعم الضمني لمنتجات الوقود لو افترضنا توزيع هذا الدعم على المواطنين. فعند بيع منتجات النفط عند الأسعار العالمية وتوزيع الحصيلة على المواطنين بالتساوي سينال كل مواطن نحو 8300 ريال سعودي، وهذا معناه تلقي الأسر التي تتكون من ستة أفراد نحو 50 ألف ريال سنوياً. ويمكن للأسر أن تسأل نفسها إذا ما كانت تستفيد من الدعم بهذا الحجم أم لا؟ صحيح أن كل مواطن سيتكبد خسارة مقابل رفع الأسعار، حيث سترتفع تكاليف المعيشة في المتوسط ما بين 5 إلى 10 في المائة، ولكن هل تتجاوز هذه الخسارة مبلغ الدعم السنوي؟
وفي حالة التخلص من الدعم أو خفضه بقوة فسيتراجع حجم ومعدلات نمو استهلاك منتجات الطاقة. وسينتج عن هذا الخفض رفع القدرة التصديرية لمنتجات الطاقة بمئات الآلاف من البراميل يومياً مما يدعم النهضة الاقتصادية. وإضافة إلى ذلك سيسهم تعديل أسعار منتجات الطاقة في خفض مستويات انبعاث الغازات والتلوث، وسيخفف من ازدحام الطرق، ويحسن بيئة المدن، ويرفع المستويات الصحية للسكان.
ويدرك عديد من متخذي القرار أهمية تصحيح أسعار الطاقة المتدنية، ولكن تثنيهم عن تبني السياسات التصحيحية الآثار السلبية المتوقعة لتعديل أسعار الطاقة، والتي في مقدمتها رفع تكاليف المعيشة والإنتاج. وأعتقد أن أفضل طرق إعادة الدعم إلى المواطنين هو إيجاد برنامج للتحويلات المباشرة تحول فيه المبالغ المحصلة من رفع أسعار البنزين والطاقة بشكل عام إلى المستهلكين مرةً أخرى. ويتطلب مثل هذا الحل إيجاد برنامج وطني كفؤ للتحويلات بسبب عدم وجوده في الوقت الحالي. وقبل وجود مثل هذا البرنامج سيصعب إقناع عموم السكان بجدوى رفع أسعار منتجات الطاقة والتي من ضمنها البنزين. وفي حالة تبني سياسات تصحيحية لأسعار الطاقة المتدنية بما في ذلك البنزين فينبغي الحذر من تعديلها بسرعة، حيث سيؤدي ذلك إلى إحداث صدمات قوية في الاقتصاد قد تقود إلى ركود في بعض القطاعات. وعليه، فإن من الأفضل تبني استراتيجية طويلة الأجل لتعديل الأسعار تعطي الوقت لعموم السكان في تبني وسائل خفض استهلاك الطاقة، وتدعم استخدام وسائل الطاقة البديلة والتعويض الرأسمالي لاستخدام الطاقة.