رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


صناعة التكرير النفطي بعد الركود الاقتصادي: استمرار تدني هوامش أرباح عمليات التكرير

في الأسبوع الماضي تمت مناقشة موضوع الطاقات الإنتاجية الفائضة في صناعة التكرير العالمية. حيث أشار المقال إلى أن الطاقات الاحتياطية العالمية ستبلغ في المتوسط ما يزيد على ستة ملايين برميل يوميا في عام 2010، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ نحو 20 عاما، من المتوقع أن تستمر هوامش أرباح عمليات التكرير العالمية عند مستوياتها المتدنية الحالية. في هذا الجانب استنتج المقال أن النتيجة المحتملة لهذه الاتجاهات هي أن كميات كبيرة من الطاقات الإنتاجية التكريرية الحالية غير القابلة للمنافسة تجاريا ستتم إزالتها تدريجيا وقد تكون عرضة للإغلاق الدائم. في هذا المقال ستتم مناقشة أثر الطلب العالمي على النفط على هوامش أرباح عمليات التكرير وعلى مخزون المنتجات النفطية وخصوصا المقطرات المتوسطة.
على المدى القريب من المتوقع أن تستمر هوامش أرباح عمليات التكرير العالمية عند مستوياتها المتدنية الحالية، ما سيدفع بالمصافي على جانبي الأطلسي إلى الحد من معدلات استخدام طاقاتها التشغيلية بصورة أكبر وذلك لخفض مخزون وقود الديزل إلى المستويات الطبيعية. لكن هذا الخفض في معدلات استخدام الطاقات التشغيلية قد يؤدي إلى توتر في أسواق البنزين في بداية الربع الثاني من العام المقبل.
الموضوع الأكثر إلحاحا على المدى القريب في قطاع التكرير النفطي هو التحدي المتمثل في خفض حجم المخزون الهائل غير المباع من وقود الديزل في الخزانات البرية والبحرية العائمة في جميع أنحاء العالم. حيث إن من غير المرجح تحسن هوامش أرباح المقطرات المتوسطة (زيت التدفئة، الديزل ووقود الطائرات) ما لم يتم سحب هذا الفائض الكبير من المخزون. في الواقع، يمكن لهوامش أرباح نواتج التقطير أن تتدهور بصورة أكبر إذا ما استمر خزين المقطرات المتوسطة في الارتفاع أكثر. خزين المقطرات في الولايات المتحدة حاليا أكثر من 170 مليون برميل، وهو الأعلى منذ نحو 25 عاما و60 في المائة أعلى من معدل السنوات الخمس الماضية، حيث إن هذا المخزون يغطي حاليا نحو 50 يوما من الطلب على المقطرات، حسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. أما في أوروبا، خزين المقطرات حاليا أكثر من 400 مليون برميل، وهو 8 في المائة أعلى من متوسط السنوات الخمس الماضية، وهذا المستوى هو أيضا أعلى بكثير من العام الماضي من حيث عدد الأيام التي يغطيها، حسب إحصائيات وكالة الطاقة الدولية. إن هذا المستوى من مخزون المقطرات المتوسطة في حوض الأطلسي لا يمثل كل كمية نواتج التقطير المتوسطة التي هي في الواقع في التخزين، وذلك لأن نحو 70 مليون برميل من المنتجات المكررة، التي في معظمها ديزل, مخزنة في خزانات عائمة في أوروبا وأماكن أخرى من العالم.
مع ذلك لا تزال هناك دوافع اقتصادية لزيادة مخزون المقطرات المتوسطة، ذلك نظرا لكون هيكل الأسعار الحالية في أسواق المنتجات هي في حالة تُدعى ''كونتانجو'' – Contango، بمعنى أن الأسعار المستقبلية (الآجلة) أعلى من الأسعار الفورية بمعدل يغطي أجور التخزين ويضمن أرباحا عند البيع في المستقبل ويشجع على التخزين. إن السبب الأساسي أن أسعار المقطرات المتوسطة هي الآن في حالة الكونتانجو تعود إلى كون التوقعات الحالية للطلب على وقود الديزل لا تزال ضعيفة في جميع أنحاء العالم، حتى مع وصول الطلب العالمي على النفط الآن إلى القاع، والنمو الآن متوقع. المؤشر الرئيس لتعافي الطلب العالمي على الديزل سيكون تسطح منحنى الكونتانجو، حيث تتساوى الأسعار المستقبلية والفورية للمقطرات المتوسطة نوعا ما. هذا التحول في اتجاه الأسعار من المرجح أن يحدث عندما تبين بيانات الطلب من الدول الصناعية الكبرى تعافي الطلب بشكل ملحوظ.
في هذا الخصوص، ما زالت أسواق المنتجات بانتظار عودة نمو الطلب على الديزل في الصين بقوة. حيث إنه على الرغم من أن حزمة الحوافز الاقتصادية الكبيرة التي أقرتها الحكومة الصينية نجحت في تعزيز الطلب على المنتجات النفطية في البلاد عموما، وبصورة خاصة البنزين، لكن لحد الآن لا توجد مؤشرات مشجعة على وجود نمو كبير في الطلب على الديزل. حيث من غير المتوقع أن يحدث أي نمو في الطلب على الديزل في الصين هذا العام، يعود السبب في الغالب لكون حزمة الحوافز الاقتصادية الكبيرة التي أقرتها الحكومة لا تستهدف قطاع التصدير في البلاد، الذي يعتمد بشدة على وقود الديزل للشاحنات لنقل البضائع. إضافة إلى ذلك ليس من المتوقع انتعاش الصادرات الصينية بصورة ملحوظة قبل أن تنتعش الاقتصادات الكبرى الأخرى في العالم، الزبائن الرئيسيون للصين، وتبدأ اقتصاداتهم في النمو مرة أخرى.
أما بخصوص الولايات المتحدة وأوروبا، نمو الطلب على وقود الديزل يحتاج أن يبدأ بالانتعاش من جديد. حيث إن الطلب على الديزل مرتبط بشدة بانتعاش النمو الاقتصادي، وبصورة خاصة في الولايات المتحدة. بعض المؤشرات الاقتصادية تظهر أن الولايات المتحدة والاقتصادات الأوروبية هي في طور النمو مرة أخرى، لكن هذا لم ينعكس بعد في بيانات الطلب على وقود المقطرات المتوسطة، حيث إن حجم الطلب الحالي فيها ما زال أقل بكثير من العام الماضي الذي هو منخفض في الأساس. الطلب في الولايات المتحدة وأوروبا من المتوقع أن يرتفع موسميا في الربع الرابع من هذا العام مع بدء موسم التدفئة والاستمرار في الربع الأول من عام 2010. بحلول الربع الأول من عام 2010، مع تحسن بطيء في الاقتصاد، فقط نمو متواضع على الطلب من المتوقع أن يستأنف. إن الطلب على وقود الديزل في الولايات المتحدة عموما من المتوقع أن يبدأ فقط بالعودة تدريجيا على مدى عدة سنوات.
مما تقدم يمكن التكهن بخفض المخزون المتراكم من المقطرات المتوسطة بطريقتين اثنتين فقط، إما عودة النمو في الطلب على وقود الديزل إلى سابق عهده، الذي استعصى على الأسواق تحقيقه حتى الآن، وإما عن طريق خفض الإمدادات من قطاع التكرير أي الحد من معدلات استخدام الطاقات التشغيلية للمصافي. الاحتمال الثاني هو الأوفر حظا في الوقت الحاضر. لذلك على المصافي تقليص معدلات استخدام طاقاتها التشغيلية بصورة أكبر، للمساعدة في عودة مخزون المقطرات المتوسطة إلى مستوياتها الطبيعية خلال الأشهر المقبلة. هذا قد يساعد في انتعاش هوامش أرباح عمليات التكرير من جديد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي