خط جبهة ضدّ «طالبان»

خط جبهة ضدّ «طالبان»

لا يزال مدفع عبد الملك المضاد للطائرات، المتمركز على سطح منزله في المحافظة الحدودية الشمالية الغربية في باكستان، موجها نحو طالبان. وعلى بعد 20 كيلو مترا (12 ميلا) فقط إلى جنوب بيشاور، العاصمة المزدحمة للمحافظة الحدودية الشمالية الغربية، شن المقاتلون عدة هجمات على قرية عبد الملك، Adezai، في الأشهر الأخيرة - بما في ذلك تفجير انتحاري في الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر) أدى إلى مقتله ومقتل 12 آخرين.
وكان عبد الملك، عمدة القرية، قد جمع ميليشيا مناهضة لهم. وفي ظل عدم وجود شرطة فعالة، تقوم هذه القوة، التي قوامها 150 شخصا محليا مسلحين جيدا، بالحراسة اليومية على نفقة الرجل الميت. وقال ابن شقيقه، Israr Khan، الذي يحمل رشاش كلاشينكوف على كتفه: ''نحن على خط المواجهة. فنحن جدار، وإذا انهار هذا الجدار، لن يستغرق الأمر من طالبان سوى يومين للوصول إلى بيشاور''. وهذا ممكن. فمدينة Darra Adam Khel التي تصنع بها طالبان الأسلحة محاذية لبيشاور، وخلفها هناك Orakzai، المنطقة القبلية شبه المستقلة، والتي يُقال إنها تضم الآن قادة طالبان الباكستانية.
إلا أن طالبان الباكستانية، وهي مجموعة من الجماعات الجهادية القبلية التي تسيطر على معظم المنطقة الحدودية، تعاني أيضا في الأسابيع الأخيرة. ففي ما يمكن أن يكون أكبر نصر لحملة الجيش التي تم شنها منذ سبع سنوات دون إحراز شيء يذكر، تقدم 30.000 جندي إلى معظم أنحاء المعقل الرئيسي للمقاتلين، في وزيرستان الجنوبية المجاورة، التي هرب منها قادتهم. ويبدو أن هذا جهد مثير للإعجاب. وللمرة الثانية هذا العام - بعد ضرب طالبان الباكستانية في أيار (مايو) في منطقة ملقند في المحافظة الحدودية الشمالية الغربية - نجح مشاة الجيش وطائرات الهيلوكبتر المهاجمة، الذين يقاتلون في منطقة وعرة التضاريس وعنيفة، في إجبار المقاتلين على التراجع.
ومن ضمن الجوائز التي حصلوا عليها مدينة Kotaki، مسقط رأس القائد العام لطالبان، حكيم الله محسود. ويزعم الجيش أيضا أنه فكك معظم البنية التحتية للإرهاب، بما في ذلك مخيمات تدريب للمفجرين الانتحاريين أنتجت مفجري أكثر من 200 هجوم انتحاري في باكستان خلال العامين الماضيين. والاستيلاء على هذه المدينة قد يكون نعمة كبيرة بالنظر إلى الارتفاع الأخير في مستوى الإرهاب، انتقاما للعملية الهجومية.
وشملت عمليات القتل تفجيرات انتحارية وهجمات على غرار المغاوير في أنحاء المحافظة الحدودية الشمالية الغربية والبنجاب - في بيشاور ولاهور وإسلام أباد، العاصمة الوطنية، وفي مدينة روالبندي القريبة. وفي الشهر الماضي، عشية هجوم الجيش على وزيرستان الجنوبية، أغار عشرة من جهاديي طالبان والبنجابيين، بقيادة قائد سابق في الخدمات الطبية في الجيش، على مقر الجيش في روالبندي - المعقل العلماني لدولة يحكمها الجنرالات نصف فترات تاريخها. وقتل العشرات في الهجوم، بما في ذلك تسعة مقاتلين وعميد في الجيش. وقتل عميد آخر خارج منزله في إسلام أباد؛ ونجا عميد ثالث بالكاد من مصير مماثل. والأسوأ من ذلك هو أن الإرهابيين شنوا هجمات على الأسواق والمدنيين المصطفين في الطوابير، بهدف قتل أكبر عدد ممكن- لقي أكثر من 100 شخص حتفهم في تفجير في بيشاور في تشرين الأول (أكتوبر).
وقتل أكثر من 270 شخصا من جراء تفجيرات قنابل في مدينة الثلاثة ملايين منذ أوائل الشهر الماضي. وكان المقر البلدي لوكالة الاستخبارات القوية للجيش هدفا آخر. وقد حدثت هذه المجزرة على الرغم من التقدم الأخير في دوريات الحراسة في بيشاور - بعد فترة كئيبة في أوائل هذا العام، حين هرب السكان الأثرياء في المدينة مع دخول الخاطفين من طالبان. وخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، تزعم شرطة بيشاور أنها فككت 17 قنبلة سيارة وقبضت على 24 من المفجرين الانتحاريين المحتملين. وخلال الفترة نفسها، تضاعف عدد نقاط التفتيش التابعة للشرطة. ويقول Niaz Ali Shah، المستشار الخاص المتفائل لرئيس وزراء المحافظة الحدودية الشمالية الغربية: ''تبلغ كفاءتنا 200 في المائة''. ولكنه يعترف بأن حكومة المقاطعة تفتقر بصورة هائلة إلى الموارد. ولتعزيز الشرطة، اضطرت إلى تخفيض الإنفاق على المدارس والمستشفيات. ولا يمكنها فعل الكثير لحماية سكان الأماكن النائية مثل Adezai باستثناء حثهم على إنقاذ أنفسهم. ويشرح Shah بصورة لا تبعث على الاطمئنان: ''في ثقافتنا، هناك بندقية في كل بيت''.
وبصورة مماثلة، يبرز التقدم الذي أحرزه الجيش في الآونة الأخيرة نطاق مهمته. ومقابل خسارة 70 جنديا، يقول إنه قتل 600 مقاتل، معظمهم من البشتون المحليين - من نفس قبيلة محسود المتطرفة في وزيرستان الجنوبية - ومن الجهاديين الأوزبكيين، الذين وجدوا ملجأ بينهم. وهذا عدد كبير من القتلى. ولكنه أقل بكثير من المقاتلين في إقطاعية محسود، الذين يقدّر الجيش عددهم بـ 10.000- 15.000. ويبدو أن الجهاديين هربوا، بعد مقاومة شديدة في البداية، بأعداد كبيرة. ولم يتم اعتقال أو قتل أي من قادتهم، بمن فيهم حكيم الله محسود، أو قاري حسين، المعلم الخبير للمفجرين الانتحاريين. ومع استمرار قتال الجيش، من غير الواضح مكان وجود المقاتلين أو مدى الضرر الذي أصابهم أو إلى أي مدى سيطاردهم. وإذا كانوا حقا في Orakzai، ربما تكون مطاردتهم قد بدأت فعلا- بموجة من القصف الجوي الذي أشارت إليه التقارير في هذا الأسبوع. ولكن إذا هربت طالبان، كما يتكهن البعض، إلى وزيرستان الشمالية، الملاذ المجاور لطالبان، قد يتردد الجيش في ملاحقتهم. فالميليشيات هناك في سلام مع الجيش، على الرغم من أنها في حالة حرب مع أمريكا وحلفائها في الناتو في أفغانستان.

تباهي زرداري
ولعل عدم اليقين بشأن تقدم الجيش، إضافة إلى موقع وزيرستان الجنوبية النائي، والأهم من ذلك وحشية الإرهاب، كل هذا أدى إلى تخفيف دعم الباكستانيين للحملة ضد طالبان. وهذا الدعم ظاهرة حديثة، مدفوع إلى حد كبير بتعدي طالبان على جميع أنحاء ملقند. وهو أيضا مصدر فخر الرئيس آصف زرداري، الذي جاءت حكومته، وهي تحالف بقيادة حزب الشعب الباكستاني، إلى السلطة العام الماضي بعد عقد تقريبا من حكم الجيش. وفي الواقع، يحكم زرداري باكستان من خلال قيادته لحزب الشعب الباكستاني، التي ورثها عن زوجته بناظير بوتو - رئيسة الوزراء السابقة التي تم اغتيالها عام 2007 - ومن خلال السلطات التي جمعها سلفه، برويز مشرف، خلال فترة ولايته. ولطالما عزا حماس الباكستانيين الجديد لمحاربة التشدد إلى الشرعية التي أضفتها حكومته المدنية على النضال. ويبدو أن الجيش يتفق مع زرداري الذي لا يحظى بالشعبية في ذلك.
وحين كان جنرالات باكستان في السلطة كانوا يشعرون بأنهم عرضة للانتقادات العلنية لمواصلة الحملة بقوة. وكان الكثير من الضباط والرجال يتعاطفون أيضا مع طالبان، حتى حين قتل أكثر من 1.500 منهم من قبل طالبان. وفي الواقع، لا يزال بعضهم يتعاطف معهم: في ساحة معركة في ملقند، وصف عقيد في الجيش لكاتب هذا التقرير تورد الشهادة التي رآها على وجوه الجنود والمقاتلين على حد سواء. (من العلامات الأخرى وجود ضباب أبيض يحوم فوق جثثهم المتيبسة).
ويبدو أن الجنرال إشفاق كياني، قائد الجيش والمحرض على هجومه الأخير، ملتزم جديا بسحق طالبان الباكستانية. وفي الوقت نفسه للأسف، لم يبد أي اهتمام بمطاردة مقاتلين آخرين من طالبان يستخدمون باكستان كقاعدة خلفية لتمردهم في أفغانستان - والذين يزعم أن منهم حكام تلك الدولة المخلوعين، حتى الملا عمر نفسه. والحال هكذا منذ عام 2001، حين أدى الغزو الأمريكي لأفغانستان إلى تدفق الآلاف من طالبان الأفغانية، وضيوفهم من القاعدة، إلى باكستان. ومقابل الدعم الأمريكي، والشرعية التي يمنحها لمشرف في الخارج، اعتقلت باكستان العشرات من أعضاء القاعدة. ولكنها تجاهلت (أو إذا كنت تصدق المسؤولين الأفغان، بمن فيهم الرئيس حميد كرازي، أعادت تسليح) طالبان، حليفتها السابقة، والتي سعت من خلالها إلى حماية أفغانستان من النفوذ الهندي. (دعم الهنود أعداء طالبان من الطاجيكيين). ولكن لا شك أبدا أن طالبان الهاربين هؤلاء استخدموا باكستان من عام 2003 كقاعدة للتمرد الناجح جدا بحيث إنه يؤثر الآن في 40 في المائة من مقاطعات أفغانستان. ولم يعد بوسع الباكستانيين إيقافه حتى لو حاولوا.
وتدرك إدارة باراك أوباما هذا - خلافا للكثير من الأفغان والغربيين في كابول، الذين اعتادوا تحميل باكستان مسؤولة فشلهم. إلا أن أوباما زاد أيضا الضغوط الأمريكية على باكستان لمقاتلة طالبان من جميع الأنواع. وكحافز لها - وإجراء يدل على القلق الأمريكي المتزايد على باكستان - ساعد أيضا على تحقيق زيادة كبيرة في المساعدات للدولة، بما في ذلك 7.5 مليار دولار من المساعدات غير العسكرية على مدى خمس سنوات، والتي وافق عليها الكونجرس الشهر الماضي. وفي الوقت نفسه، هناك سلسلة غير منقطعة من كبار الزائرين الأمريكيين إلى إسلام أباد، ومنهم هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية، وريتشارد هولبروك، المبعوث الأقليمي لأمريكا، يحثون باكستانيين على ''بذل المزيد من الجهود'' ضد المقاتلين.
وهذه احتمالية ضئيلة جدا - على الأقل فيما يخص الأفغان. وما يستند إليه الجيش في تردده في ملاحقة طالبان الأفغانية، التي يقال إن قادتها يسكنون مدينة كويتا في باكستان، هو اعتقاده أن أمريكا والناتو سيفشلان في أفغانستان. وتزيد الأحداث الجديدة هناك وفي واشنطن تأكيد هذا أكثر من أي وقت مضى. وفي وقت مبكر من هذا العام، بعد أن وافق أوباما على إرسال 21.000 جندي أمريكي إضافي إلى أفغانستان، قال أحد كبار ضباط الاستخبارات الباكستانية إنه رفع تقديراته للمدة التي سيظل فيها الناتو هناك إلى نحو 15 عاما. وبعد الكثير من الفوضى، بما في ذلك خسائر فادحة تكبدها الناتو وإعادة انتخاب كرازي في الانتخابات التي تم التلاعب بها في آب (أغسطس)، لا شك أنه تم تعديل هذا الرقم مرة أخرى. ويعتقد مسؤولو الأمن الباكستانيين في إسلام أباد، الذين يعرفون جيدا تردد أوباما بشأن مستويات القوات وتراجع حلفائه الأوروبيين، أن الحلف قد يغادر باكستان خلال عام أو عامين.
ومن أحد النواحي، لا بد أن الجيش يشعر بالسرور. وبالنسبة لكل من باكستان والهند، لا تزال أفغانستان لعبة محصلتها صفر، فلا بد أن يكون هناك طرف خاسر وطرف فائز. وبالتالي يعتقد الجنرالات في باكستان أن فشل نظام كرازي المدعوم من قبل الغرب والهند سيكون خيبة أمل بالنسبة لأقدم وأخطر منافس لهم. وزاد اليقين بهذه الحسابات بسبب تدهور العلاقات بين الدولتين منذ هجوم إرهابيين باكستانيين على مومباي قبل عام. واستجابت الهند بتجميد عملية السلام الواعدة، وتقول إنها لن تعيدها إلا بعد أن تقدم باكستان مدبري الهجوم للعدالة. ويبدو رد باكستان - حيث اتهمت في الـ 25 من تشرين الثاني (نوفمبر) سبعة مخططين مزعومين لهجوم مومباي بجرائم الإرهاب - غير كاف.

طلبات على أمريكا
إلا أن العنف الذي طال أمده في أفغانستان سيكون له نتائج مقلقة أيضا بالنسبة لباكستان: على سبيل المثال، رد فعل سلبي إسلامي من حدودها المتطرفة. أو، الأسوأ من هذا، أن يعني تراجع أمريكا عن المنطقة نهاية المساعدات الأمريكية السخية - التجربة التي تحملتها باكستان في التسعينيات، بعد انتهاء الجهاد ضد السوفيات في أفغانستان. وربما لمنع هذا، تحث باكستان أمريكا على قبول ما تؤمن به فعلا: أن استراتيجية الناتو في أفغانستان ستفشل على الرغم من الجنود الإضافيين البالغ عددهم 40.000 الذي طلبهم أوباما. وبدلا من ذلك، يقول الجنرالات والدبلوماسيون في باكستان بثقة متزايدة بأن على أمريكا أن تسعى للتوصل إلى تسوية سياسية رفيعة المستوى مع أعداء طالبان. وتريد باكستان المساعدة في هذا، وبالتالي تأكيد نفوذها فيما يتعلق بالشؤون الأفغانية، على حساب الهند. ووفقا لأحد كبار المسؤولين الباكستانيين في إسلام أباد، تم بالفعل اتخاذ بعض الخطوات. فقد قال: ''نحن نتحدث بالفعل مع طالبان. وإذا ساعدت الولايات المتحدة في هذه العملية، يمكن القيام ببعض الترتيبات لتحقيق المصالحة السياسية''.
وتريد أمريكا أيضا المصالحة مع طالبان، ولكن على مستوى أدنى. وعلى عكس بعض حلفائها الأوروبيين، تعتبر قادتها على مستوى عال غير مقبولين أبدا. وفي الـ 23 من تشرين الثاني (نوفمبر)، قالت هيلاري كلينتون إنها ترحب بالتقارير التي تقول إن حكومة كرازي تخطط لعملية سلام خاصة بها مع المقاتلين، ولكنها حذرت بالقول: ''من الواضح أننا سنطرح أسئلة حول كيفية تقدمها... ونحث على توخي الحذر''. ولا يبدو أن أحدا في الناتو يريد أن يضطلع الباكستانيون بدور قيادي في أي مفاوضات من هذا القبيل. وعلى العكس من ذلك، يدعو النقاد الأمريكيين المؤثرين دعوة الهند للعب دور أكبر في أفغانستان.
ويشعر الجيش بالإهانة من كل ذلك ومن تكرار أمريكا بوجوب ''بذل المزيد من الجهود''. فهو لا يعتقد أن القوة العظمى المحاصرة في وضع يسمح لها بإلقاء المحاضرات حول التعامل مع طالبان - أو أي شيء آخر. وفي الشهر الماضي، انتقد كبار الشخصيات في الجيش الشروط التي كتبها الكونجرس، بلهجة متغطرسة، في قانون المساعدات الجديد: على سبيل المثال، طالب بضرورة السيطرة المدنية على تعيينات المناصب العليا في الجيش. وشجع هذا الإعلام والأحزاب المعارضة على شن حملة صاخبة ضد مشروع القانون. وبلهجة أكثر هدوءا، في الـ 23 من تشرين الثاني (نوفمبر)، كرر الجنرال كياني مطلبه بأن تمنح أمريكا ''باكستان ومصالحها الاعتبار وتستشيرنا حين تضع سياسة جديدة في أفغانستان''.
ويحظى مثل هذا التفاؤل بالشعبية. وفي الواقع، يشن الإعلام الحر في باكستان حملة مناهضة لأمريكا قوية بقدر تلك التي تتبناها إيران على المستوى الرسمي. ولم يعد حتى الصحافيين الغربيين في مأمن من مثل هذه الحملة، بعد أن كانوا مستثنين في السابق من هذا الهجوم. وفي الشهر الماضي، نشرت إحدى صحف الفضائح الناطقة باللغة الإنجليزية أن مراسل باكستان لصحيفة ''وول ستريت جورنال''، Matthew Rosenberg، يتجسس لصالح أمريكا وإسرائيل.
وفي الأسواق التي تم ضربها في بيشاور، يحمّل الكثيرون الجواسيس الأجانب - الأمريكيين أو الروس أو الهنود أو الإسرائيليين - مسؤولية التفجيرات الأخيرة. وقال آخرون إن الجيش وراءها. ومع ذلك، يعتقد الكثيرون أن الحكومة المركزية مسؤولة عن التفجيرات. وفي مبنى المحكمة العليا في بيشاور، حيث لا تزال القطط الضالة تجد أشلاء مبعثرة من قتلى التفجير الانتحاري الذي قتل 19 شخصا الأسبوع الماضي، قال أحد كتاب المحكمة: ''يعتقد الناس أن طالبان غير قادرة على هذا. ويعتقدون أن هذا من عمل الحكومة، لكي تحصل على الدولارات الأجنبية. فالشعب يشعر بالغضب من الحكومة''.

الحشود القادمة
هذا هو مقدار ثقة الباكستانيين بحكامهم المنتخبين. وفي الواقع، يشير مسح للبالغين الشباب أجراه المجلس البريطاني وتم نشره في الـ 21 من تشرين الثاني (نوفمبر)، إلى أن الباكستانيين يشعرون باليأس بصورة متزايدة من دولتهم الفاشلة. فقد قالت نسبة 15 في المائة فقط إن الدولة تسير في الاتجاه الصحيح. وتعتقد نسبة الثلث منهم أن الديمقراطية هي أفضل طريقة لإدارتها- النسبة نفسها التي تدعو للشريعة الإسلامية. ولم يسجل نصف المجيبين أسماءهم للتصويت. وردا على سؤال لتقييم مؤسسات الدولة، قال 60 في المائة إنهم يثقون بالجيش، ويثق نصفهم بالسلطات الدينية. وقالت 10 في المائة فقط إنها تثق جدا بالحكومة، سواء الوطنية أم المحلية، أو المحاكم أو الشرطة.
ومن السهل فهم وجهة نظرهم, فنسبة المجيبين الذين لديهم وظيفة بدوام كامل تبلغ الخمس. أما ربعهم فهم من الأميين- تماما مثلما سيكون أطفالهم، حيث إن 40 في المائة من الأطفال الباكستانيين لا يذهبون إلى المدرسة. وبما أن نصف عدد سكانها البالغ 170 مليون نسمة تحت سن الـ 20، فإن لدى باكستان كثيرا من الأطفال، وسيأتي كثير غيرهم قريبا. ويتوقع أن يزيد عدد سكانها، الذين يستنزفون بالفعل الأراضي الخصبة والمياه، بمقدار 85 مليون نسمة خلال عقدين.
ويبدو أن قادة الدولة لا يبالون بهذه الحشود القادمة، العاطلة عن العمل والغاضبة فالجيش مشغول بلعبة الجنود مع الهند، والسياسيون، الذين عادوا إلى السلطة بعد منفى طويل، مختلفون مع بعضهم بعضا، خاصة مع زرداري.
وبعد أن اختلف زرداري مع أحد حلفائه الرئيسيين في التحالف، وهو الحركة القومية المتحدة، التي تحكم كراتشي الشاسعة في الجنوب، لم يتمكن من حشد أغلبية برلمانية للموافقة على العفو عام 2007، المعروف باسم مرسوم المصالحة الوطنية، الذي منح لآلاف السياسيين وموظفي الخدمة المدنية من قبل مشرف في إطار محاولة اتفاقية لتشارك السلطة مع بوتو. وبالتالي، سيسقط العفو بأمر من المحكمة العليا في الـ 28 من تشرين الثاني (نوفمبر)، مما سيجعل بعض أقرب حلفاء زرداري عرضة لتجدد الاتهامات بالفساد. وقد يكون الرئيس عرضة لها أيضا بعد أن تجنب عديدا من قضايا الفساد بموجب مرسوم المصالحة الوطنية. ويمنحه منصبه حصانة من الملاحقة القضائية. ولكن إذا حكم القضاة المناهضون لزرداري أنه غير مؤهل للاحتفاظ بالمنصب، قد لا ينطبق عليه ذلك.
ولطالما كان زرداري، الذي يرتبط بصورة وثيقة بالفساد الكبير لحكومات زوجته المتوفاة السابقة، يتجه نحو المتاعب فهو أحد أكثر السياسيين الذين فقدوا مصداقيتهم؛ وقد أضر أخيرا باسمه بصورة أكبر ووحد خصومه- بمن فيهم القضاة ورئيس حزب المعارضة الرئيسي، نواز شريف، الذي شغل منصب رئيس الوزراء مرتين, الذي يحظى بالشعبية- بسبب سلسلة المؤامرات الفاشلة. ويتوقع كثير من الباكستانيين الآن نهايته، بطريقة أو بأخرى - لطالما كانت الإجراءات القانونية مسألة مفتوحة في باكستان، التي خلف فيها حكم الجيش المتقطع كثيرا من الندوب الدستورية.
وقد لا يكون هذا مزعزعا للاستقرار على المدى القصير فكثير من الباكستانيين سيشعرون بالسرور. ومن الناحية النظرية، قد تعيش الحكومة بقيادة حزب الشعب الباكستاني - التي يرأسها رسميا رئيس الوزراء، يوسف رضا جيلاني. إلا أن هذا سيكون سيئا بالنسبة لباكستان لسببين. الأول هو أن زرداري، على الرغم من الصحافة السيئة التي تعرض لها، لديه طموحات مثيرة للإعجاب، أهمها صنع السلام مع الهند وخفض حجم الجيش. وحقيقة أن هذا أثار غضب الجيش فهو أمر في صالحه. ومن العوامل التي من مصلحته أيضا أنه سعى جاهدا لإنهاء التمرد الثاني الأصغر في باكستان في مقاطعة بلوشستان الغربية بصورة سلمية. وفي الـ 24 من تشرين الثاني (نوفمبر)، قدمت الحكومة مقترحات لصنع السلام للانفصاليين هناك، بما في ذلك إنهاء العمليات العسكرية ودفع 1.4 مليار دولار للمقاطعة على شكل زيادة عائدات الغاز.
ولا يتعلق السبب الثاني بزرداري شخصيا فالحكومات الباكستانية معتادة استكمال ولاياتها - وهو أمر لم تتمكن من تحقيقه الحكومات المدنية بالكامل. وإزاحة زرداري، بواسطة التآمر من قبل القضاة أو الجنرالات أو الخصوم السياسيين، ستقلل احتمالات حدوث هذا. وهذا أحد الأسباب التي تجعل شريف، قائد الجيش المحبوب الذي يتصدى بحزم الآن ضد تدخله في السياسة، يبدو مستعدا لتحمل زرداري. ولكنه يطالب أيضا بأن يجرد زرداري منصبه من سلطاته الدكتاتورية ويلغي الحظر على الولاية الثالثة لرؤساء الوزراء، الذي فرضه مشرف. ويقول زرداري إنه سيفعل هذه الأمور قريبا. ولكنه انتهك كثير من الوعود في السابق، ومن الحكمة أن يفي بهذا الوعد

الأكثر قراءة