ومتى كنا أصدقاءكم يا بيريز؟
يروى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - افتقد درعا له، فوجدها مع يهودي يبيعها في السوق، فقال له علي: هذه الدرع درعي، لم أبع ولم أهب، فقال اليهودي: الدرع درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب.
لا أدري مدى صحة القصة، لكني أتذكرها كلما رأيت المراوغة والخبث في إجابات زعماء إسرائيل، فيما يتصل بالاحتلال. وآخر المتلاعبين في الكلام رئيسهم الثعلب المتذاكي بيريز، عندما زار مصر مطلع الأسبوع الماضي.
نقل أن بيريز قال عندما سئل عن القدس: «... القدس تعتبر ضمن السيادة الإسرائيلية ولا تعتبر مستوطنة ومن ثم فإن أي تغيير للوضع القائم يجب أن يحدث عن طريق المفاوضات بين الطرفين». وحينما اعترض عليه في هذا، راوغ بالكلام قائلا - ما معناه - أقول لأصدقائي المسلمين ستبقى القدس متاحة لاتباع الديانات.
وعندما نوقش في موضوع المستوطنات الأخرى، اعتبر الرئيس الثعلب أن توسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية هو موضوع هامشي، ينبغي ألا يعطل المفاوضات. هم الخصم والحكم في هذه القضايا. فلسطين صغيرة، وكل الأراضي التي احتلت عام 1967 تعدل نحو خمس فلسطين التاريخية، وهناك الملايين الذين أخرجوا من ديارهم ظلما وعدوانا، ومع ذلك هو يرى أن الاستيلاء على مزيد من هذا الخمس مسألة بسيطة. كأنه يتكلم عن مصادرة بضعة كيلومترات مربعة من ملايين أو مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة.
يقول ساسة الغرب لا يجوز تغيير الأوضاع بصورة أحادية، بل بالمفاوضات. هذا كلام فارغ من المحتوى. ماذا فعلت دول الغرب الكبرى إزاء خروقات إسرائيل لقرارات مجلس الأمن على مدى نحو 40 سنة، واستعمالها للعنف لفرض تلك الخروقات؟ إما انتقادات منافقة على استحياء من البعض مع تأييد من الخلف، وإما مجاهرة بالتأييد العملي لبعض الخروقات من بعض آخر.
إسرائيل تخرق القوانين الدولية بصور وأشكال عديدة، ودون مفاوضات أو اعتبار للفلسطينيين، وقد حدث أن عارضوها قبل الانتفاضة، واستعمل معهم العنف لفرضها، أي استعمل معهم الوسيلة نفسها التي انتقد الفلسطينيين على استعمالها فيما بعد. إسرائيل تمارسها على مدى عشرات السنين، وقد أثرت في نظرتهم لنتائج المفاوضات.
بل السياسة الأمريكية عملت ما هو أنكى، عبر مساندة خروقات إسرائيلية تحت مسمى الاعتراف بالأمر الواقع، وبما يساعد الإسرائيليين على الحصول على تنازلات في المفاوضات، بينما على الطرف الفلسطيني وهو الأضعف قوة الرضوخ واللجوء فقط إلى المفاوضات.
يحدث هذا رغم إيمان ومناداة تلك القوى بالعدل وحقوق الشعوب، وحقوق الإنسان، بغض النظر عن جنسه أو لونه أو دينه أو قيمه وحضارته وطريقته في الحياة، أو مدى إيمانه بالقيم التي يؤمن بها المنحازون.
طبعا هناك ادعاءات بحقوق تاريخية لليهود بررت بها إسرائيل خرقها للقوانين الدولية، ولكن الفلسطينيين والمسلمين لهم أيضا ادعاءات بحقوق تاريخية، لا تقل قوة عن حقوق أولئك، بل هي أسبق منها بالنسبة للفلسطينيين، كما أن عند الفلسطينيين والمسلمين حجة إضافية فتح باب استخدامها الرئيس بوش المسماة بمراعاة الأمر الواقع في تبرير بقاء المستوطنات الكبرى في الضفة، وهو أمر واقع لم يتطور تلقائيا بل فرضته القوة، وعلى هذا فللفلسطينيين الاحتجاج أيضا بمراعاة الواقع على مدى مئات أو آلاف السنين.
يمكن تفهم مواقف الغرب ويمكن عذره في شروطه للتعامل مع «حماس» لو قام بخطوات عملية قوية أو واضحة الأثر لمنع الإسرائيليين من تغيير الأوضاع في القدس، وبصورة عامة منعهم من التصرف الأحادي قبل الوصول إلى حل عبر المفاوضات. سأوافق بقوة الغرب على شروطه للتعامل مع «حماس» لو كان صارما مع إسرائيل في خروقاتها للقانون الدولي. أقول هذا مع استبعادي مسبقا أن يفعل ساسة الغرب ذلك. لكن لماذا لا يناقشون ويعترض عليهم بقوة وبكل الوسائل المتاحة قانونا في هذا الانحياز؟ وفي كل مناسبة يظهر فيها انحياز. وما أكثر هذه المناسبات.
العيب الأكبر فينا نحن المسلمين
يعجب المرء حين يتأمل في كيفية تناولنا للقضية الفلسطينية مع الآخرين. من الأمور المشاهدة أننا في كثير من الأحيان لا نحسن مجادلة ولا محاجة الآخرين في بيان حقوق ومصالح الفلسطينيين، وحقوق العرب والمسلمين في فلسطين. بل لم تبذل الجهود الفعالة القوية على المسرح العالمي دفاعا عن حقوقنا في فلسطين، وفي القدس خصوصا. يعرف العالم بعض المعرفة عن الاحتلال ومساوئه في كل مرة ينزل الصهاينة العذاب بالفلسطينيين، وليس بسبب جهودنا الذاتية. كم زعيما مسلما وقف أمام الكونجرس بلغة حازمة قوية ينتقدهم وبأقوى لغة على انحيازهم ضد المسلمين فيما يخص القضية الفلسطينية؟ من رد على الرئيس أوباما عندما قال في خطابه المشهور في القاهرة قبل أشهر إن أمريكا لم ولن تكون في حرب مع الإسلام أو المسلمين؟ وددت لو رد عليه زعماء كثيرون ردودا صارمة قوية يسمعها العالم جيدا بأن انحيازكم لإسرائيل وحده شاهد ودليل صريح لا يؤيد ما تقوله يا فخامة الرئيس.
الأمثلة كثيرة جدا على هزالة دفاعنا عن حقوقنا في فلسطين فمتى يتغير الوضع؟