أمانة منطقة الرياض .. النزعة للتجديد والعمل بواقعية
الإدارة المحلية تعني صناعة القرار المحلي, ومرتكزها الفلسفي أنه كلما كان القرار أقرب للناس كان أجدر أن يستجيب لمتطلبات السكان بكفاءة وفاعلية كما ونوعا وجودة. وبالنظر إلى مشهد الإدارة المحلية السعودية وأسلوب صناعة القرار المحلي فإن هناك تحديات كبيرة يأتي على رأسها البطء البيروقراطي والمركزية الشديدة وعدم تطبيق بعض مواد الأنظمة وتعدد الوحدات الإدارية ومرجعياتها. فالأجهزة المركزية الوطنية تتدخل في إدارة الشأن المحلي وتتناول الموضوعات المحلية في أدق تفاصيلها فلا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتتخذ قرارها ولا يهم إن كانت ذات علاقة مباشرة بالقضايا الوطنية من عدمه! هكذا تهمش الإدارات المحلية ما يضيق الفرصة أمامها بل يحول دون أداء أدوارها وتحمل مسؤولياتها على أكمل وجه أمام المجتمع المحلي. الإدارة المحلية لا تعني فقط توفير الخدمات العامة لمجموعة من السكان في نطاق جغرافي محدد، بل إنها أيضا مسؤولة عن صناعة مستقبل المجتمع المحلي وتبني خطط مستقبلية لبناء اقتصاده خاصة أن قطاع التصدير مفتاح نمو المدينة. هذا يتطلب الربط بين القرارات في الوقت الحاضر والرؤية المستقبلية، حيث تقود المشاريع والخدمات نحو توسيع دائرة التنمية وتطوير قدرات المجتمع المحلي للتصدي للتحديات والمشكلات التي تتفاقم يوما بعد يوم مثل البطالة، الفقر الحضري، السطو المسلح، المخدرات، والتلوث البيئي، والازدحام المروري. إشكالية إدارة المدن السعودية هو في تعدد الوحدات الإدارية المحلية ومرجعياتها وعدم وجود هيئة محلية واحدة منوط بها مسؤولية الإدارة الشاملة لجميع قطاعات المدينة، ما يؤدي إلى ضبابية في المسؤوليات والأدوار وصعوبة قياس الأداء. وعلى أن هذا الوضع الإداري البيروقراطي يشجع على التراخي واللامبالاة إلا أن هناك أجهزة حكومية أبت أن تستلم لهذه القيود البيروقراطية وراحت تنطلق في البحث عن الأفضل وتقديم خدمات مميزة. من بين هذه الأجهزة أمانة منطقة الرياض، التي تدار بأسلوب احترافي وقيم مهنية عالية وعلاقات إنسانية ومبادرات إبداعية تجعلها تستجيب لاحتياجات ومتطلبات سكان العاصمة الرياض. وفي كل مرة تجتذب الانتباه بأفكار وأساليب جديدة تضيف لرصيدها الكبير من المبادرات التي تحقق مزيدا من الرضا وتجعل الرياض العاصمة أكثر جاذبية للعيش وإنتاجية للعمل. ما تفعله الأمانة هو أكثر من تقديم خدمات تنال استحسان السكان هي في حقيقة الأمر تعيد تشكيل المجتمع ثقافيا ورفع سقف التوقعات وتحسن مستوى الذائقة لدى الأفراد. أمانة منطقة الرياض أصبحت حاضنة لأفكار التخطيط العمراني وتسهم في تطوير العمل البلدي السعودي وصياغة تصور جديد لإدارة المجتمعات المحلية. المبادرات التي تقدمها الأمانة تتفاوت في مستوياتها وأهميتها ولكنها جميعها تنم عن حس مرهف وسعي دؤوب نحو جعل الخدمات البلدية أكثر قربا, سهلة المنال عالية الجودة لسكان العاصمة. لقد أدركت الأمانة أنها مسؤولة عن القرار الجماعي في المدينة ويقع على عاتقها تحقيق المصلحة العامة التي لا يستطيع الأفراد إدراكها من خلال نظرتهم الفردية الضيقة. قدرة الأمانة على استشفاف هذه الاحتياجات الاجتماعية والاستباق نحو تحقيقها يعكس ثقافة تنظيمية تعتمد على التعلم وبناء الخبرات والانفتاح على المجتمع والشفافية والمرونة في التعامل مع الشؤون والقضايا المحلية. وعلى أن هناك قرارات قد تبدو صغيرة لكن لها الأثر الكبير في رضا الناس وهي في الوقت ذاته تعكس مستوى ونمط التفكير الإداري المبني على الاهتمام بالناس وملاحظة أدق التفاصيل والاستجابة لها، وكأن الأمانة في كل مرة تصنع فيه قرارا تضع نفسها موضع الناس وتحاول معرفة الإيجابيات والسلبيات وردة فعلهم تجاه الخدمة الجديدة أو ربما تساءلت ما الخدمات التي تفتقدها المدينة وكيف السبيل لتحقيقها.
لقد لفت انتباهي كمتخصص في الإدارة العامة الأسلوب الإداري المميز للأمانة وعلى أنني كنت قد كتبت عدة مقالات عن الثقافة التنظيمية وأسلوب العمل في الأمانة وفي كل مرة كنت أعتقد أنه ليس بالإمكان أكثر مما كان إلا أن الأمانة تأبى أن تتوقف عند محطة واحدة من الإنجاز وهي التي حصدت الكثير من جوائز التميز على مستوى الوطن العربي. من هنا أجد أن الخدمات البلدية الخاصة بعيد الأضحى تستحق الإشادة والتقدير، فعلى سبيل المثال خدمة ذبح الأضاحي وتوزيع نقاطها بين الأحياء، إضافة إلى توفير خدمة التوصيل وترتيبها يسهل الأمر للناس وفي الوقت ذاته يحافظ على النظافة والصحة العامة. الرياض العاصمة التي يقارب سكانها الخمسة ملايين نسمة وتمتد على مساحة جغرافية كبيرة تتطلب إدارتها بنهج اللامركزية. توجهات وقرارات سمو أمينها الدكتور عبد العزيز بن عياف في أكثر من مناسبة تنم عن قناعته التامة باللامركزية كأسلوب إداري أمثل في حالة المدن الكبيرة، كيف لا وهو المتخصص بإدارة المدن دراسة وتدريسا وممارسة على مدى ما يقارب ثلاثة عقود وتبنيه منهج اللامركزية في العمل البلدي. وقد يبدو الأمر بسيطا سهلا لكن ليس في ظل التنظيم البيروقراطي المستحكم في الأجهزة الحكومية وما يكتنفه من جمود وعدم مبالاة في البحث عن رضا السكان. فعلى الرغم من أن الأمانة جهاز إداري حكومي، إلا أنه يدار بمهنية عالية يشبه إلى حد كبير تلك المؤسسات الخاصة التي تؤدي وتنتج بدافع الربح. في كل مرة تقدم فيه أمانة منطقة الرياض مبادرة جديدة شجاعة وجريئة وتخوض غمار تجربة إبداعية يغمرني كمتخصص في الإدارة العامة شعور بالثقة والارتياح في أن الإدارة المحلية في السعودية بلغت مستوى من النضج يؤهلها لأن تلعب أدوارا أكبر في عملية صنع القرار والتنمية المحلية. سر نجاح أمانة منطقة الرياض هو أنها سعت لتكون قريبة من الناس وفي الوقت ذاته التفكير خارج الصندوق لتجلب خدمات جديدة لم تدر في خلد السكان وتلبي احتياجاتهم التي تقبع في اللاوعي ولا يستطيعون التعبير عنها أو أنهم غير مدركين لها. لقد أضحى من الضروري إعادة النظر في نظام الإدارة العامة وإصدار نظام للإدارة المحلية يتوافق مع المعطيات على الساحتين الداخلية والخارجية ويتيح الفرصة لتحريك الموارد ويهيئ الظروف للقيادات المحلية في تطبيق أساليب أكثر فاعلية وكفاءة تسهم في نقل المجتمع إلى مستويات أعلى من النضج الاقتصادي والاجتماعي وبناء مجتمعات محلية قادرة على المنافسة ولتكون مكانا أفضل للعيش والإنتاج.