إشكالية المساواة بين الرجل والمرأة .. رؤية اقتصادية

قضية المساواة بين الرجل والمرأة بدأت منذ فجر التاريخ بالقضية الشهيرة وهي قضية الخلاف بين آدم وحواء التي أخرجتهما من الجنة بسبب تفاحة وفقاً لوجهة نظر الغرب، وما زالت هذه القضية رغم مرور ملايين السنين عصية على الحل حتى يومنا هذا، ولذلك تعتبر هذه المشكلة أطول مشكلة إنسانية في التاريخ الإنساني.
وإذا استعرضنا هذه المشكلة عبر تاريخها المديد نلاحظ أن الأمم تختلف في حل هذه المشكلة التي أرى أنها فرخت عديدا من المشكلات بين الرجل والمرأة، ومنها مشكلة المساواة بين الرجل والمرأة، وهي المشكلة الأعوص التي ما زالت تؤرق المجتمعات الإنسانية في كل مراحل التاريخ القديم والحديث.
وحينما جاء الإسلام الحنيف قبل أكثر من 1400 سنة جاء بمشروع كامل لحل مشكلة حقوق المرأة، وأعطى الإسلام للمرأة كل حقوقها التي تتناسب مع أنوثتها البيولوجية والإنسانية، ولكن الغرب الحديث لم يعجبه ما قدم الإسلام للمرأة من حقوق، بل ظل الغرب يتهم الإسلام بأنه خطف حقوق المرأة وأعطاها الرجل بغير وجه حق.
وفي هذه الأيام تحتل هذه القضية سدة القضايا التي يناقشها مجتمعنا السعودي، بل ما زالت كل المجتمعات الإنسانية تناقش قضية حقوق المرأة التي يقال إن الرجل خطفها من المرأة منذ فجر الإنسانية.
ويبدو أن المباراة بين الإسلام والغرب اليوم حول ما يسمى ''المساواة بين الرجل والمرأة'' باتت عنيفة وشديدة، ولكن واضح ومن دون تحيز أن الحل الإسلامي هو الحل الأنسب لبناء أسرة مستقرة تتمتع بعافيتها الإنسانية الكاملة، بينما الحل الغربي هو الحل الذي أدى إلى إلغاء الأسرة في المجتمعات الغربية وأصبح الشباب لا يتطلعون إلى بناء أسر تضمهم وتحنو عليهم بل يتطلعون إلى الانعزال والفردية.
ولكن المشكلة في هذه الأيام أن الغرب يستهدف الأسرة باعتبارها عمود المجتمع الإسلامي، وتسعى وسائل الإعلام الغربية بكل قوة لضرب هذا النظام حتى تستطيع تفتيت وتفكيك المجتمع المسلم، ومن ثم الوصول إلى حدود مبادئ الدين الإسلامي وضرب قواعده وأعمدته الحصينة.
ونحن لا ننكر أن الغرب نجح في تحقيق بعض أهدافه وأحدث تصدعات وشروخاً في معمار نظام الأسر الإسلامي.
إن ظاهرة الخلافات الزوجية، ثم ظاهرة الطلاق والخلع في المجتمعات الإسلامية، وهما من إفرازات مشكلة المساواة بين الرجل والمرأة.. اتسعت وزادت معدلاتها بسبب ركض عدد كبير من المثقفات والمثقفين وراء الثقافة الغربية.
ويبدو من طروحات الفكر الغربي أن الوصول إلى حل نهائي لمشكلة المساواة بين الرجل والمرأة ووليدتها مشكلات الخلافات الزوجية .. لن تجد لها حلاً البتة طالما أن هناك رجلا، وهناك امرأة.
هذا النزاع الطويل العريض عبر مختلف حقب التاريخ كان وما زال له ثمن غال دفعته البشرية من مواردها وثرواتها حتى انكفأ الجميع خلف سلسلة من المشكلات التي عصرت المجتمع وشغلته عن استثمار الوقت والجهد والمال من أجل تحقيق مزيد من التنمية والرخاء للمجتمع.
وفي تقديري أن كل مشكلة من مشكلات الإنسان فوق كوكب الأرض لها بعد اقتصادي، وأن الخلاف بين الرجل والمرأة في الأساس هو خلاف اقتصادي، ونستطيع القول إن كل الحلول التي طرحت، طرحت من خلال البعد الاقتصادي بدءاً بحق المرأة في العمل وحقها في عدم الإنجاب وحقوقها الجنسية المفتوحة على كل الأشكال والألوان.
ولا غبار في أن عمل المرأة له تأثير اقتصادي بعيد الأرجاء، كما أن حقها في إيقاف النسل له بعد اقتصادي متعدد الزوايا، أمّا حقوقها الجنسية الحرة فله أسبابه الاقتصادية والأخلاقية والدينية الصارخة.
في مواجهة ذلك فإن النظام الاقتصادي الوطني يحتاج إلى نظام أسري مستقر ومنتج، ولا يحتاج إلى أسر ضائعة أو مفككة ذات إنتاجيات منخفضة.
إن الخسائر التي دفعها الاقتصاد من تصدع مئات الآلاف من الأسر في مجتمعنا الإسلامي كبيرة وكثيرة، وتحتاج إلى دراسة وحسابات حتى نقف بالضبط وبالأرقام على حجم الخسائر التي يتكبدها المجتمع جراء انهيار الأسر، وبالذات الأسر الصغيرة، ونؤكد أن إنتاجية الأسر تبعثرت بين الخلافات وضاعت ثرواتها في جهود الانفصال، وأن أموالاً طائلة صرفت حتى تم الزواج، وأن أموالاً أكثر ستصرف على حل رباط الزواج، وأن أموالاً أكثر ستصرف على عقد الزواج مرة ثانية وثالثة، وأن حجماً هائلاً من الأموال والجهود والوقت تذهب أدراج الرياح، ولو أن نسب الطلاق أو الخلع كانت في معدلاتها الطبيعية وكان المجتمع ينعم بالاستقرار لاستطاع هذا المجتمع أن يوفر المال والوقت والجهد الكثير ويسهم في بناء المجتمع بمعدلات أكبر عوضا عن الانشغال بالحروب العائلية!!
إن هذا الانشغال بالحروب العائلية في المجتمع الإسلامي سببه ــ كما أوضحنا ــ الغزو الثقافي الغربي، ولا عجب فإن مشكلة حقوق المرأة التي يتباكى من أجلها الغرب .. مازالت مشكلة قائمة في المجتمع الغربي، بل استدارت المشكلة وانقلب السحر على الساحر من جديد وظهرت في المجتمع الغربي في شكل مطالبات بالعودة إلى نظام الأسر القديم، ولكن مع ذلك يتجه الغرب صوب المجتمعات الإسلامية ويثير الفتنة فيها ويؤجج النعرات ويطالب المرأة المسلمة بالثورة على مجتمعها لكسب حقوقها المسلوبة والوقوف صفاً واحداً ضد الرجل وضد المجتمع الذكوري المغتصب!
ونشهد في السعودية في هذه الأيام ــ للأسف الشديد ــ آثار هذه الهجمة الغربية الإعلامية الوثنية على العائلات والأسر السعودية التي أصبحت ضحية ارتفاع ملحوظ في نسب الطلاق والخلع والانفصال.
نحن نرجو من علمائنا أن يستشعروا الخطر لأن قوام المجتمع المسلم هو الأسرة المتماسكة القوية التي تربي أجيالها على مبادئ الدين الأقوم وتحميهم من الغزو الصليبي، ويوم يفقد المجتمع الإسلامي هذا العمود، فإن المجتمع كله سيتفكك وينهار كما انهار وتحلل المجتمع الغربي وأصبح بلا روابط اجتماعية وأسرية.
إن المطلوب من علماء الاقتصاد في جامعاتنا السعودية أن يدرسوا حجم تكاليف انهيار الأسر، لأننا إذا عرفنا حجم الخسائر الاقتصادية ربما نصاب بالفزع فننهض بقوة لوضع حد لاستهانة بالصبايا والصبيان، ومطلوب من علماء الاقتصاد أيضاً أن يدرسوا أهمية استقرار الأسر على الاقتصاد الوطني، كما أن المطلوب من علماء الاجتماع في جامعاتنا السعودية أن يبحثوا قضية حقوق المرأة ومشروعيتها ومدى انعكاسها على معدلات الطلاق والانفصال.
وعلى علمائنا الاقتصاديين والاجتماعيين أن يضعوا الحلول الناجعة لهاتين المشكلتين اللتين بدأت نتائجهما تتفاقم حتى أصبحتا تتهددان تماسك المجتمع السعودي، ولا ننسى أن أصوات العقلاء بدأت ترتفع وتطالب المصلحين بضرورة التدخل لإنقاذ المجتمع من أوضاع هذه القضايا المؤسفة .

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي